|
رام الله-5-4-2005-أي بي برس- خاص: كتب الباحث والأديب الفلسطيني حسن عبد الله المتخصص بالشؤون الإسرائيلية عضو الهيئة الإدارية لمجلس نقابة الصحفيين الفلسطينيين وعضو اتحاد الكتاب الفلسطينيين بحثا حول الملامح الثقافية لفلسطينيي ال48 بين أعوام 1980 _2000 الوطني والقومي في مواجهة الأسرلة وتناول الباحث بأسلوبه الأدبي الرفيع بالتشخيص والتحليل المعمق الأوضاع الثقافية لفلسطينيي مناطق ال 48 والتحديات التي تواجه هذه الثقافة وبخاصة المحاولات الإسرائيلية المستمرة لطمس معالمها، واستعرض الباحث الدور الهام الذي يضطلع به المثقفون والكتاب والمؤسسات الثقافية الفلسطينية في مواجهة الاسرلة والحفاظ على الهوية الوطنية والقومية للفلسطينيين في مناطق ال 48 الذين يشكلون 17% من التعداد السكاني الكلي لإسرائيل. ويذكر أن الباحث اهتم بتأريخ وتحليل تجربة الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين والعرب الثقافية والإعلامية ومدى تأثير الإعلام الإسرائيلي على المعتقلين الفلسطينيين وكيف تمكن الأسرى من التعامل مع الإعلام الإسرائيلي بما يخدم قضيتهم، ونشر عددا من البحوث والدراسات المتخصصة حول هذه التجربة، وانجر بحثا متميزا بعنوان الصحافة العبرية في تجربة المعتقلين الفلسطينيين خلال الاعتقال وبعد التحرر . نال عليه شهادة الماجستير من جامعة القدس. وخص الأديب الباحث حسن عبد الله أي بي برس بنشر بحثه حول الملامح الثقافية لفلسطينيي ال48 بين أعوام 1980 _2000 الوطني والقومي في مواجهة الأسرلة ويرجى الإطلاع على نص البحث كاملا في زاوية بحوث ودراسات.
الملامح الثقافية لفلسطينيي ال48 بين أعوام 1980 _2000 الوطني والقومي في مواجهة الأسر له
المقدمة : التقى تشخيص معظم الذين قابلتهم وحاورتهم من المثقفين والمبدعين الفلسطينيين في مناطق ال48 في البرنامج الثقافي -البيدر - الذي أعددته وقدمته أربع سنوات لصالح إحدى محطات التلفزة ،التقي عند نقطة واحدة مفادها ، أن الأوضاع الثقافية في مناطق ال48 تعاني من أزمة حقيقية ، نتيجة مجموعة من العوامل ،تشابه تحديدها لدى بعضهم واختلف لدى البعض الآخر . وربما كان ما ذكرت هو أهم الأسباب التي دفعتني لدراسة الأوضاع الثقافية الفلسطينية في مناطق ال48 ،مكوناتها،ملامحها ،سياقها التاريخي ،وكيف يمكنها الحفاظ على ( قسماتها الذاتية ) وضمان استمرار سريان الدم في عروقها ، بمعنى الصمود في ظل واقع موضوعي تعصف به تناقضات كثيرة ، إنه واقع يتنكر لشعب ذي تاريخ عريق ، تحول بين ليلة وضحاها إلى أقلية مضطهدة على أرضها . ومن المهام التي يفترض أن ينجزها هذا البحث ، الإجابة عن أسئلة ملحة ذات صلة وثيقة بالموضوع :- هل يوجد أزمة ثقافية في مناطق ال48 ، أم أن كلمة أزمة تضخم القضية وتنفخها اكثر مما يجب ؟ وإذا كانت الأزمة موجودة حقا ،هل هي متأصلة، أم أنها عابرة سرعان ما يتم تجاوزها ، من منطلق أن الأساس التي بنيت عليه المداميك الثقافية في إطار صراع طويل ومرير ، أقوى من أن تطوعه أو تشكله صعوبات وتحديات ؟
الافتراض الذي اطرحه هنا ، أن هناك أزمة حقيقية لها انعكاساتها على حياة الفلسطينيين في مناطق ال48 بشكل عام ، وأن الخروج من هذه الأزمة لا يتم بقرار حزب أو اتحاد ثقافي بعينه ، بقدر ما يرتبط بنضال وسياق تربوي وتثقيفي وبأُفق سياسي وفكري يجب أن يكون مفتوحا على البعد القومي الذي يشكل الأرضية والمنبع معا . -1- ومن اجل تحديد إطار زمني للبحث، فقد تناولت الأوضاع الثقافية لفلسطينيي ال48 ، ما بين أعوام 1980- 2000 . والحقيقة أن البحث في المجال الثقافي تطلب العودة تاريخيا إلى الظروف والمراحل التي عايشها فلسطينيو ال48 ، حيث لا يمكن عزل الثقافي عن السياسي والاجتماعي والاقتصادي والنفسي ، ثم تناولت أبعاد الثقافة الفلسطينية في المناطق المذكورة ، موزعة على المحاور التالية : الوطني الفلسطيني ، القومي العربي ، الإسرائيلي ، العالمي، ثم تسلسلت إلى قضية البحث _ توصيف المشكلة، حدودها و تجلياتها ، و أخيرا آفاق الأوضاع الثقافية للفلسطينيين في مناطق ال48، والى أين وجهته ؟
-2-
لمحة تاريخية :- ( صراع من اجل البقاء وتثبيت الهوية )
من الطبيعي ، أن تناول الأوضاع الثقافية للفلسطينيين في مناطق ال48 في العشرين عاماً الأخيرة ، لا يتم بمعزل عن العوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية لهذا المجتمع في سياقه الزمني ، حيث يصبح الفصل هنا تعسفياً مجافياً لأُصول البحث ، نظراً للتداخل بين هذه المجالات وتأثيرها في بعضها البعض . كما لابد من التنويه، إلى أن المقصود وتحت هذا العنوان ليس كتابة تأريخ مستفيض وتفصيلي ، وإنما سأكتفي بذكر بعض الخطوط العريضة العامة والمفاصل الرئيسة التي كان لها أثر في صياغة الهوية الثقافية بقساماتها وسماتها المختلفة . لقد شهد المجتمع الفلسطيني في مناطق ال48 ومنذ النكبة وحتى الآن أحداثاً وصراعات ومحاولات جادة لبلورة الهوية وتثبيتها وتدعيم أركانها و مقوماتها وحمايتها من التبديد أمام قوة الدفع المضادة من الجانب الآخر المسيطر ، الذي حاول احتواء الفلسطينيين وإلحاقهم وتكييف ظروفهم بما يخدم الدولة الجديدة وأفكارها وتوجهاتها والأهداف التي قامت من اجلها ، من خلال استعمال القوة بكل تجلياتها العسكرية والبوليسية والمالية و المؤسساتية ……..الخ. عانى الفلسطينيون من سياسة مبرمجة استهدفت قولبتهم في اتجاه يخدم الدولة المقامة قسرا على أرضهم ويخدم زيادة نفوذها و إستمراريتها حيث خضعوا في البداية لجبروت حكم عسكري جعل كل شئ قيد الرقابة و التدقيق . و في هذا الإطار صادقت الكنيست الإسرائيلية الأولى في 27/7/1949 على تمديد أنظمة الطوارئ البريطانية بعد إجراء تعديلات عليها ، و بناء على هذه (الأنظمة ) تأسس الحكم العسكري بعد إضافة بنود مناطق الأمن الإسرائيلية لعام 1949 .
-3- و بعد فرض الحكم العسكري تم تقسيم مناطق التركيز العربي إلى ثلاث دوائر عسكرية هي الجليل ، المثلث ، النقب ، حيث عين بن غوريون حكاماً عسكريين لها ، كما أقامت السلطة العسكرية محاكم عسكرية لمحاكمة العرب خارقي أنظمة الطوارئ (1) . و جراء هذه القوانين خضع الفلسطينيون الذين تبقوا على أرضهم لإجراءات تقييد حركتهم على الأرض و عانوا كثيرا من صعوبة إيجاد فرص عمل ، واجهوا كذلك عراقيل و تحديات جمة في بلورة أنفسهم كمجتمع منظم قادر على تحديد أهدافه و توجهاته . و كان الهدف من وراء فرض الأنظمة و قوانين الطوارئ على المواطنين الفلسطينيين من خلال إدارة الحكم العسكري يتمثل في حصر النشاط السياسي العربي و منع الاتصال بين مناطق التركيز ، ووضع القيود أمام تشكيل جسم عربي موحد و متماسك يمكن أن يتطور نحو حركة سياسية عربية تحمل أهدافا و أبعاداً قومية مقاومة للاستيطان و مصادرة الأراضي .. (2) . أما تبرير فرض الحكم العسكري ، فقد كان بالنسبة للمسؤولين الإسرائيليين هو أمني بالدرجة الأولى ، و منع عودة اللاجئين الفلسطينيين بالدرجة الثانية . استمر الحكم العسكري حتى عام 1966 محققا جملة من الأهداف أهمها تثبيت أساس الدولة بحيث بدت خلال هذه الفترة قوية اقتصاديا و عسكريا تمكنت من الاستيلاء على الغالبية العظمى من أراضي الفلسطينيين و استجلبت أعدادا كبيرة من اليهود الذين كانوا ينتشرون في أصقاع شتى من العالم وركزتهم في مؤسسات اقتصادية و خدماتية ووظائفية و عسكرية مختلفة .
1-محمد جبريل ،واصف نزال،فلسطينيو48:نضال مستمر ،ص29 2-نفس المرجع السابق ، نفس الصفحة . -4- كانت عملية بلورة الذات سياسيا و اقتصاديا و ثقافيا بالنسبة للفلسطينيين في منتهى الصعوبة ، و حتى بعد مرور أكثر من (52) عاما على نكبة فلسطين مازالت الصعوبات و العراقيل قائمة ، و إن كانت تأخذ أشكالا وصيغا مختلفة . بعد قيام إسرائيل وجد الفلسطينيون الذين تشبثوا بقراهم و مدنهم أنفسهم في معزل عن بقية أبناء شعبهم الذين توزعوا في الضفة و القطاع و في دول الشتات ، و كان عليهم أن يفيقوا من الصدمة ، و ينهضوا للتعامل مع مستجدات و أفكار و أنماط حياة غير التي عرفوها من قبل ، فمن جهة برزت الحاجة للتعايش مع الواقع الجديد بما يتضمن الحياة و الاستمرارية و من جهة أخرى بدأ سؤال كبير يطرح نفسه بإلحاح و قوة على هذا المجتمع الصغير ، كيف يمكن الحفاظ على أنماط الحياة الأصلية السياسية و الثقافية و الاجتماعية بما فيها من مفاهيم و عادات بمنأى عن متناول عمليات الطمس و التبديد ، لا سيما و إن إسرائيل تأست على أساس أنها دولة الشعب اليهودي ، أو كما ورد في وثيقة الاستقلال ، دولة يهودية في أرض إسرائيل ،و قد جسدت القوانين الإسرائيلية هذا التعريف ورسخت و عكست المضمون اليهودي الديني للدولة … (3). أدرك الفلسطينيون أن لا بد من الحفاظ على تواجدهم و على استمرارية حياتهم ، رغم ما كان يعتريهم من مرارة ورغم الهزيمة التي أرخت بظلالها الثقيلة عليهم كمجتمع وأفراد ، حيث يمكن القول أن السكان الفلسطينيين الذين بقوا في إسرائيل بعد عام ال48 ، كانوا بقية مهزومة في مجتمع مهزوم ، تجلت هذه الحقيقة في نظرة هؤلاء السكان إلى أنفسهم و إلى الحاكم العسكري الإسرائيلي ، و كذلك في طموحاتهم في ذاك الحين لإحراز الأمن و ليس المساواة (4) . جعل الشعور بالخطر و الاستهداف اليومي الفلسطينيين ينشدون لأمنهم الشخصي ، بمعنى كيف يتسنى لهم الاستمرار في ظل هذه التغييرات الدراماتيكية التي قلبت واقعهم رأسا على عقب !!.
3-حيدر عزيز ، الفلسطينيون في إسرائيل في ظل اتفاقية أوسلو ، ص39. 4-بشارة عزمي ، ( الأقلية الفلسطينية في إسرائيل ) ، مجلة كنعان،ص13.
-5- و هنا يمكن القول ، إن الصدمة أخذت مداها الزمني و النفسي ، حيث استطاع الفلسطينيون لاحقا استيعاب الواقع و فهم مفاتيحه ، رغم تفاوت المسألة من فرد إلى فرد و من تجمع سكاني إلى آخر ، حيث أخذوا في ظل الحصار المفروض يبحثون عن متنفسات أو قنوات تصلهم بالعالم العربي في إطار سعيهم لتعزيز و تقوية أركان هويتهم ، بحيث كانت مرحلة ما بين 1948-1967 مرحلة عزلة ، و لكن حتى مع بداية توطد و تمييز ملامح المجتمع العربي في إسرائيل ،حافظ السكان العرب على صلة مع العالم العربي عبر أجهزة الراديو _ صوت العرب من القاهرة .. (5) . و في خضم العملية التضادية التي عاشها المواطنون الفلسطينيون في مناطق ال48 ترسخت مفاهيم و انتفت أخرى ، إذ من الطبيعي أن يتأثر المجتمع كظاهرة متجددة ، خاضعة للنمو و تبدلات للظرف الجديد ، الذي اعتقد الفلسطينيون في البداية أنه طارئ ، منتظرين الخلاص من الخارج ، أي من الدول العربية ، لكنهم اكتشفوا بعد سنوات أن ما اعتقدوه طارئا ، أصبح حياة ذات مدى زمني طويل ، لذا لم يستمر الشعور بالعجز والانكسار و دفن الرأس في الرمال مدة طويلة ، بل فرض الواقع الجديد معطيات أخرى حيث يلاحظ المحلل للتحولات التي حدثت ما بين أعوام 48-67 ، إن سلوك العرب في إسرائيل حمل ميزتين بارزتين : الأولى : تبدل الشعور بالعجز إلى الشعور بالثقة بالنفس وبالقدرة على التأثير في مجريات الأحداث . الثانية : هي قدرة الأقلية العربية على التفاعل مع الأحداث في إسرائيل والمنطقة وبصورة منظمة (6) .
5- بشارة عزمي ، المرجع السابق ،ص14. 6-حيدر عزيز ، مرجع سبق ذكره ، ص129. -6- و بعد أن اجتاز الفلسطينيون مرحلة إحراز الأمن على الحياة ، ظهرت هناك محاولات لبلورة نشاطات سياسية تهدف إلى تغيير الواقع و تطالب بالمساواة ، و تحقيق مطالب كثيرة منها توسيع رقعة الحريات و تحسين الأوضاع المعيشية و التعليمية و تطوير القرى و إدخال المرافق الخدماتية إليها . إنخرط نشطاء من الفلسطينيين في الحزب الشيوعي الإسرائيلي و في حركة الأرض و في تجمعات سياسية أخرى ،وحقق الحزب توسعا في التجمعات الفلسطينية سعيا وراء تحقيق شعارات المساواة ،ولعبت صحيفته الرسمية ومجلاته ومثقفوه ومبدعوه دورا هاماً في تثقيف الجمهور و تعبئته . و اقتصاديا لا نستطيع القول إن المجتمع الفلسطيني في مناطق ال48 بقي يراوح مكانه أو يدور في نفس الدائرة ، فقد انفتحت أمامه و بشكل أوسع بعد إلغاء الحكم العسكري مجالات العمل في الورش و المؤسسات و المرافق الاقتصادية المختلفة ، كما انفتح أمام الميسورين إمكانية تعليم أبنائهم في الجامعات و المعاهد العليا . و يشكل بروز الطلب على الأيدي العاملة الفلسطينية واحدا من الأوجه الكثيرة المتعددة التي عملت على إلغاء الحكم العسكري ،فبعد أن (تبلورت الدولة ) و ازداد عدد المهاجرين إليها ، خلقت هذه الزيادة المتسارعة أزمة سكنية حادة تطلب حلها القيام بعملية بناء واسعة لذا كان لا بد من تحرير الأيدي العاملة العربية من قيود الحركة و التنقل بين قراهم والمدن اليهودية ،و تسهيل إعطاء التصاريح و غيرها من السبل التي تكفل التنقل بين قراهم و المدن اليهودية ، و تسهيل إعطاء التصاريح و غيرها من السبل التي تكفل ضمان الحصول على العمل العربي و توظيفه في بناء اقتصاد الدولة الجديدة (7) .
7- محمد جبريل ، واصف نزال ، مرجع سبق ذكره ، ص35 -7- وضعت حرب حزيران عام 67 و الهزيمة التي منيت بها الأنظمة العربية حقائق و معطيات جديدة أمام الفلسطينيين في مناطق ال48 و أضافت أسبابا و مبررات أخرى لتلك الأسباب الكثيرة التي تعلمها الفلسطينيون بتجربتهم الخاصة حول ضرورة الاعتماد على أنفسهم و تحسين ظروفهم عن طريق نضالاتهم الخاصة ، و من خلال تشكيل عوامل ضغط لتحقيق اكبر عدد ممكن من المطالب المرتبطة بحياتهم في شتى الجوانب . و قد شكل عام 67 مرحلة جديدة في تاريخ الفلسطينيين في مناطق ال48 عقبتها مجموعة من التفاعلات ، ففي ردات فعلهم على أوضاعهم راكمت هذه القلية موارد فردية و جماعية ،مادية و معرفية ، بحيث أضحت قادرة على الانتقال من الخضوع السياسي إلى تنظيم الاحتجاج على أوضاعها ، و المطالبة بتحسن هذه الأوضاع … (8) . و رغم ما حمله الخامس من حزيران من استكمال لفصول المأساة بالنسبة لشعب فلسطين، مكنت الظروف السياسية الجديدة و الوقائع التي جسدها الاحتلال على أرض الفلسطينيين في مناطق ال48 من التواصل مع أبناء شعبهم ، فقد جدد العرب في إسرائيل اتصالاتهم و علاقاتهم الاجتماعية بالفلسطينيين في الأرض المحتلة ، كما بأقربائهم و أبناء قراهم و مدنهم في لبنان و أماكن أخرى (9) . ولا شك أن مثل هذا التواصل ، أسهم في تفعيل قنوات تعميق الهوية بالنسبة للفلسطينيين ، حيث شكلت الضفة الغربية و غزة ، نافذة لهم على العالم العربي ، و بدأ السياسيون الفلسطينيون و العرب ينتبهون لهذا المجتمع و يقدرون أهميته ، كما أن بعض الفصائل الفلسطينية توجهت لشرائح معينة بهدف الاستقطاب و التنظيم ،و إن كان ذلك موسميا و متقطعا و لم يترك تأثيرا عميقا ، إلا أنه خلق نوعا من التفاعل السياسي . إن المراحل و المخاضات التي مر بها المجتمع الفلسطيني سياسيا و اقتصاديا و اجتماعيا وثقافيا ، ارتبطت ببعضها بعض ، بحيث أسست كل مرحلة للتي تلتها، إلى أن استطاع الفلسطينيون بلورة هويتهم و تحديدها تماما . 8- حيدر عزيز ، مرجع سبق ذكره ، ص130. 9- المرجع السابق ، ص124.
-8-
ومن يرجع إلى الصحف و النشريات والمجلات التي صدرت في العشرين عاما الأخيرة ، يجد أن هناك قاسما مشتركا في كيف يعرف الفلسطينيون أنفسهم،وكيفية تصنيفهم لواقعهم،أي انهم يقرون بوضوح بقوميتهم كعرب ، ويؤكدون فلسطينيتهم في إطار التحديد الوطني . و قد آلت موضوع الهوية أهمية خاصة وبروزا في حياة العربي في إسرائيل و ذلك بسبب تحوله إلى أحد العناصر المهمة في التنظيم و العمل السياسي (10). و منذ أن انفتح المجتمع الفلسطيني في 48 على الضفة و القطاع ، تفاعل مع المحطات السياسية التي عاشتها الثورة و الشعب الفلسطيني ، و كان أكثر هذه المحطات تأثيرا الانتفاضة الشعبية عام 87 ، التي انبرى الفلسطينيون في الجليل و المثلث و النقب ، يؤيدونها سياسيا و إعلاميا و ثقافيا ، ويساندونها بأشكال تضامنية جماهيرية ، كما نظمت الفعاليات الحزبية و الوطنية و الجماهيرية المستقلة في بعض الأحيان حملات إغاثة ، لكن الانتفاضة في المقابل حملت لهم دروساً و عبراً و دلالات لأنها وضحت الفرق بين الفلسطينيين في إسرائيل و الفلسطينيين في الأراضي المحتلة ، و لكن عندما برزت الحاجة لتوضيح الملامح المميزة و الموحدة ، تبين أنه باستثناء الحاجة لتوضيح أنه ليس للانتفاضة مكانا في الجليل و المثلث ، ليس للقوى السياسية الفاعلة بين السكان العرب أي استراتيجية سياسية ذات شأن (11) . و بعد الانتفاضة الشعبية كان لاتفاقات أوسلو تأثيراتها الأخرى و الأكثر قوة على الفلسطينيين في مناطق ال48 حيث أن هذه الاتفاقات استثنتهم تماما ، و أقرت أنهم خارج دائرة الحلول ، و أن عليهم تدبر أمورهم في ظل واقع مختلف في ساحة مختلفة . و من التأثيرات المباشرة لأُوسلو أدى الاتفاق إلى فك الارتباط بين حل القضية الفلسطينية و بين تحسين مكانة و أوضاع العرب في إسرائيل ، و قد كان هذا الارتباط راسخا في الفكر السياسي عند جميع التيارات السياسية العربية في إسرائيل طوال خمسة عقود تقريبا … (12) . 10-المرجع السابق ، ص127. 11- بشارة عزمي ، مرجع سبق ذكره ، مجلة كنعان،ص21. 12-حيدر عزيز ، مرجع سبق ذكره ، ص145. -9- و أمام هذه التطورات المختلفة و التأثيرات السلبية على الفلسطينيين في مناطق 48 لاسيما اتفاقات أوسلو ، فإن إسرائيل نفسها باتت تدرك أن المجتمع الفلسطيني يشكل حلقة هامة في معادلتها الداخلية و تحديدا الانتخابات 1996 و ما تلاها من انتخابات . و لا شك في أن الأقلية الفلسطينية في التسعينات تختلف اختلافا كبيرا عما كانت عليه بعد نكبة ال48 مباشرة ، فهي اليوم أفصح تعبيرا عن ذاتها ،و هي أقلية بارغماتيه تدرك هشاشة وضعها داخل تركيبة سلطة إسرائيلية (13) . إن إسرائيل وبعد هذه السنوات ماضية في سياستها ضد المجتمع الفلسطيني على جميع الصعد،ومشاريع وبرامج الأسرله تتغلغل في التعليم والثقافة والاقتصاد وفي الأحزاب،إن حكام إسرائيل مازالوا يتعاملون مع هذا المجتمع بعقلية احتوائية ولا يتورعون عن استخدام القوة لثنيه أو الحد من دوره كلما برزت توجهات للخروج من الدائرة المرسومة ،و لنا في الأحداث التي شهدها هذا المجتمع يوم الأرض 76،وأيام الأرض في السنوات اللاحقة،و كذلك خلال تضامنه مع فلسطيني الضفة والقطاع في انتفاضة القدس،حيث كانت النتيجة (13) شهيدا سقطوا برصاص الشرطة الإسرائيلية ، إضافة إلى انفلات حملة التحريض ضد الفلسطينيين حكومياً و حزبياً و مؤسساتياً و في إطار الجمهور الإسرائيلي العادي. و في كل يوم يواجه الفلسطينيون تجليات و مظاهر سياسة الأسرلة التي تعني كخيار ثقافي سياسي التهميش ، أي أن تحكم على نفسك أن تعيش بلا هوية أصلية على هامش مجتمع يحول التهود الديني أو الوطنية العسكرانية إلى مقاييس الانتماء للمجموعة (14) . إن مواجهة المشاريع و البرامج الرسمية الموجهة لإعاقة تطور المجتمع الفلسطيني في مناطق ال48 ،أو الإبقاء عليه تحت سقف مرسوم له مازالت قاصرة سياسياً و حزبياً ، نظرا لما تعاني منه الأحزاب من أزمات و انقسامات و إخلالات و انفصام في بين ما تريده لمجتمعها ، و في كيفية التعاطي مع الأنظمة و التوجهات الإسرائيلية ، و بين مصالحها و علاقاتها مع الجمهور ، إضافة إلى ضبابية استراتيجية معظمها و التخبط في التكتيك (15) . 13-زريق ايليا ،دليل إسرائيل العام ، تحرير جريس صبري وأحمد خليفة ، صفحة 348 14-بشارة عزمي ، مرجع سبق ذكره ، مجلة كنعان،ص20. 15- حيدر عزيز ،مرجع سبق ذكره ، ص166-177. -10- وبعد هذا الاستعراض يمكننا تسجيل الاستنتاجات التالية : -
1. إن المجتمع الفلسطيني في مناطق ال48 قطع أشواطا هامة في مسيرته ، فمن صدمة الخوف و البحث عن الأمن الذاتي إلى ممارسة التأثير و المطالبة بالمساواة . 2. إن إسرائيل بسياساتها التميزية و تأثيراتها السلبية على المجتمع الفلسطيني ،وكذلك اتفاقات أوسلو ، جعلت المجتمع يعيد قراءة ذاته و يركز أكثر على واقعه من أجل تحسين ظروفه ، لكن ذلك لم يجعله وطنياً ووجدانياً و قومياً مفصولا عن انتمائه الفلسطيني و العربي . 3. الخيوط الواصلة بين الوطني و القومي و المواطنة الإسرائيلية ، معقدة و دقيقة ، و تتطلب حسابات من قبل هذا المجتمع حتى لا تختلط الأمور و تضيع الفواصل . 4. إذا كان هناك معضلات تعصف ب الثقافي فهي ليست مفصولة عن المعضلات الأخرى ، فالعلاقة هنا ترابطية بين المستوى الثقافي و الجوانب الاقتصادية و السياسية و الاجتماعية ، يهبط إذا هبطت و يصعد إذا صعدت كما أنه هو ذاته يمارس تأثير الصعود و الهبوط على الجوانب الأخرى في إطار جدلية العلاقة .
-11- أبعاد الثقافة الفلسطينية في مناطق ال48
واجه الفلسطينيون في مناطق ال48 نظاما ثقافيا مركبا ، و كانت عملية مجابهته في منتهى التعقيد ، من منطلق أنه نتاج سلطة و مجتمع ، و بموجب هذا النظام برزت و تعمقت أيدولوجيتان إحداهما خاصة بالمستوطنين ، و الأخرى خاصة بالسكان الأصليين ، وظيفتها تبرير الواقع ، و لا سيما أوضاع هؤلاء السكان و السياسية المتبعة تجاههم (16) . وبد هي أن تكون الأيدلوجية الاستيطانية هي أيدلوجية المسيطر، المترفع ، الذي يتحكم في مصير الأقلية ، و يحاول التأثير عليها ثقافياً ، ورسم حدودها و تشويه بنيتها ، و خلق الإحباط لديها ، و إيجاد انفصام في تكوينها الثقافي ، لهذا شملت الأيدولوجية الخاصة بالمستوطنين شقين يكمل أحدهما الآخر :- الأول : يبرر الحاجة إلى الهجرة و إقامة كيان سياسي خاص ، و الآخر يبرر السياسة المتبعة إزاء الأقلية الفلسطينية ونتائجها.أما الأيدلوجيا الخاصة بالسكان الأصليين فلا تختلف عن الأولى،لكنها تشمل مجهودا لإقناعهم بأنهم يشكلون جماعة إنسانية واحدة (17) . و قد تطلب الرد على هذه السياسة نفسا طويلا وصياغة رؤى ومواقف،تصدى لها مثقفون وكتاب ومجلات،إضافة إلى الدور التعبوي والتحريضي والفكري الذي لعبه بشكل بارز أدباء كبار، مثل ، توفيق زياد ، أميل حبيبي ،حنا أبو حنا ، و فيما بعد محمود درويش،سميح القاسم، سالم جبران،جمال قعوار،نبيه القاسم، انطوان شلحت وآخرون . و من الأكاديميين المتميزين الذين درسوا في الجامعات الإسرائيلية و برزوا بنتاجاتهم الثقافية و البحثية ، خاصة في العشرين عاما الأخيرة ، د.عزمي بشارة ،د . عزيز حيدر ، د.حبيب بولس ، د . محمود محارب د . سعيد زيداني ...الخ ،و إلى جانب عدد كبير من الأكاديميين الذين تخرجوا من الدول الاشتراكية عن طريق بعثات الحزب الشيوعي و عادوا ليعملوا في صحف ومجلات و مؤسسات الحزب الثقافية و المجالات الأخرى .
16-المرجع السابق ، ص19. 17-المرجع السابق ،ص20. -12- وتتركز الأبعاد و التوجهات الثقافية للفلسطينيين في مناطق ال48 في التالي :- الأول : البعد الوطني الفلسطيني : و لأننا نتحدث عن العشرين عاماً الأخيرة ، سنركز على هذه الفترة ، علما أن جذور هذا البعد يمتد بعيداً ، إلى فترة تغلب الفلسطيني على صدمة الهزيمة و الخوف ، و الانطلاق لبلورة الذات على الصعد كافة . و قد لعبت صحيفة الاتحاد ،و مجلات الجديد ، الغد ، المواكب ، نداء الأسوار ، الآداب ، و كذلك عدد من المؤسسات الثقافية و دور النشر ك الأسوار و دار أبو سلمى و دار اليسار ،و عدد من المكتبات و معارض الكتب و النشاطات الأدبية و المسرحية ، لعبت جميعها دورا مميزا في ترسيخ البعد الفلسطيني في هذه الثقافة . يقول الفنان محمد بكري : لقد حاولنا بثقافتنا و فننا أن نؤكد ارتباطنا بقضيتنا الوطنية ، فنحن جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني ، و هموم هذا الشعب و طموحاته تفرض نفسها على المثقف و المبدع و تحفزه للمزيد (18) . و حاولت الثقافة الفلسطينية في مناطق ال48 أن تواكب في العشرين عاما الأخيرة ، المراحل و التطورات التي شهدتها القضية الفلسطينية ، عاشت معها ، و تجرعت مرارا إنكساراتها ، وانتشت بمدها ، فنبض القضية الفلسطينية ، تسرب إلى النصوص و الإبداعات كافة ، فكيف بكاتب فلسطيني يعيش مأساة مذبحة صبرا و شاتيلا ،أن يكتب مقالا أو قصيدة أو يشارك في ندوة أو مسرحية (19). و لم تقتصر النتاجات الثقافية و الفنية للفلسطينيين في مناطق ال48 في الثمانينيات و التسعينيات على الالتصاق بالواقع المعاش و مواكبة القضية الفلسطينية و تطوراتها ، ورصد معاناة الفلسطينيين في الضفة والقطاع ، أو في دول الشتات و التألم على ما جرى و تأكيد مطلب الدولة .الفلسطينية المستقلة ، بل عادت بعض الإبداعات لتغوص في مراحل القضية الفلسطينية ، حيث لامس بعضها الجذور لكن من منظار الحاضر نحاول في أفلامنا خاصة التي أنجزناها مؤخرا الربط بين الحاضر و الماضي و رؤية تاريخنا الوطني بمحطاته .. 18- بكري محمد ، البيدر –تلفزيون وطن ،10حزيران 2000،الساعة التاسعة مساءً . 19-بولس حبيب ، حوار ،تلفزيون وطن ،5 كانون الأول 1999 ،الساعة التاسعة مساءً. - 13- من منظار الحاضر ،وفق رؤية فنية متطورة ،تخدم القضية الفلسطينية ، و تسلط الأضواء عليها (20 ) . و كان للانتفاضة الشعبية الفلسطينية انعكاساتها و تفاعلاتها القوية و الحميمة في النتاجات الثقافية و الإبداعية للكتاب و الفنانين الفلسطينيين في مناطق ال48 و لم تخل مجلة أو جريدة صدرت في الناصرة أو حيفا أو عكا أو أي منطقة من مناطق التجمع الفلسطيني في سنوات الانتفاضة ، من نشر مقالات و إبداعات متنوعة حول حركة الفعل الانتفاضي و آفاقها ، في حين نشرت بعض المجلات ملفات كاملة عن الانتفاضة (21) ، حاولت دراستها و تقييمها من جوانبها المتعددة ، فالذي يراجع أعداد الجديد ، الآداب ، الغد ، الأسوار ، المواكب ، و أعداد صحيفة الاتحاد ، أو أسبوعية الراية ، يجد ذلك الحضور الثقافي للانتفاضة ، و انحياز الكتاب الفلسطينيين لها، و حماسهم لتضحيات أبناء شعبهم ، و ما سطروه على الأرض من بطولات و إبداعات جماهيرية . و قد أشعرت الانتفاضة عددا من الكتاب و المثقفين بنوع من التناقض أو القصور ، رغم ما أنتجوه لصالحها ، وقد عبر بعض الكتاب عن هذا التناقض في لقاءات إذاعية و صحافية ، و في أحد اللقاءات أوضح الكاتب ناجي ظاهر :- أن الانتفاضة أشعرت الكتاب الفلسطينيين و العرب بشكل خاص بضعف ما قدموه ،فالنتاجات الإبداعية بدت باهتة أمام الفعل الإبداعي الذي سطره المنتفضون على الأرض ، و نحن في مناطق ال48 و نتيجة بعدنا عن العمل الميداني المباشر ، كنا نعتقد دوما أن ما نقدمه يظل ناقصا ، خجولا ، مقارنة مع ما يقدمه الأطفال من أبناء شعبنا في الضفة و القطاع (23) . لكن هذا التناقض لا ينفي بأي حال غزارة الإنتاج الثقافي و الإبداعي للكتاب و الفنانين والفلسطينيين ، و لا يقلل من قيمته الإبداعية ، و لا يمس بذلك التدفق و التوهج الوجداني و الوطني الذي جعل الكتاب و من يعملون في مجالات الفن المختلفة ، يستنفرون طاقاتهم الإبداعية و ينبرون يواكبون حركة الفعل الانتفاضي ،يستكشفون دلالاتها . 20-بكري محمد ، لقاء مع فنان -تلفزيون وطن ،5 أيلول 2000،الساعة العاشرة مساءً . 21-على سبيل المثال ،نشرت المواكب ملفا كاملا عن الانتفاضة في عددها 9 10 تشرين الأول1988. كما نشرت الآداب هي الأخرى ملفا كاملا عن الانتفاضة في عددها 5،6 ، تموز 1990 . 23-ظاهر ناجي ، المجلة الثقافية -تلفزيون وطن ، 12نيسان 2000، الساعة العاشرة مساءً .
-14- الفلسطينية أوجدت اتفاقات أوسلو و ملحقاتها ، التي خلقت مشكلات جمة للشعب الفلسطيني نتيجة ثغراتها النصية و القانونية و قصورها في تحقيق الحد الأدنى من الحقوق الوطنية الفلسطينية و المماطلة الإسرائيلية في تطبيقها ، علاوة على أنها خلقت فصلاً على الأرض بين مصير الفلسطينيين في الضفة و القطاع ،و مصير الفلسطينيين في مناطق ال48 . و في كتابه الفلسطينيون في إسرائيل في ظل اتفاقات أوسلو بيّن د.عزيز حيدر كيف عمقت الاتفاقات التحولات و الخضوع للواقع في أوساط الفلسطينيين سياسيا و اقتصاديا و ثقافيا . لقد صدمت اتفاقات أوسلو الكثير من الكتاب و المثقفين الفلسطينيين في الضفة والقطاع و في دول الشتات ، لدرجة أن بعضهم انسحب و كف عن الكتابة ، و أصبح المواطن يهرب من قراءة ما هو سياسي و ما هو جدي ، ارتباطاً بتفاعلات و انعكاسات المرحلة ، و خيبة الأمل التي أصابته منها ، فعملية السلام تتراجع ،و الإجراءات الإحتلالية مستمرة ، و الأوضاع تسير من سيء إلى أسوأ . كما أن الكثير من المثقفين أو الذين عرفوا في وقت سابق باهتمامات ثقافية ، عندما تسأل الواحد منهم عن نشاطاته ، يقول : إنني لا أقرأ ، و لا أكتب ، و إنني محبط (24) . و إذا كان وقع الصدمة حادا على الكتاب و المثقفين في الضفة و القطاع ، فإن حدتها كانت أشد على المثقفين و المبدعين الفلسطينيين في مناطق ال48 ، لأن الاتفاقات أدارت لهم الظهر ،وقالت لهم : (( واجهوا مصيركم بأنفسكم ، فالقسم الأكبر من الكتاب وقف مذهولا مما جرى وبهذه السرعة ، ولم تكن العودة إلى التواصل إبداعيا مسألة سهلة، بل احتاجت إلى إعادة شحذ وتقييم ما جرى وهضمه،ورؤية الواقع بعيون جديدة ))(25).
24- عبد الله حسن ،جمرات من موقد المرحلة ،ص50 . 25- سالم عفيف ،مقابلة خاصة بالبحث .
-15-
و ها هي انتفاضة الأقصى قد حركت الأقلام والخيالات وشحذت الهمم مرة أخرى ، وإن كان بشكل اقل شمولية من انتفاضة 1987 ، لكن من الصعب أن نجري تقييما علميا لتأثيراتها الثقافية على الفلسطينيين في مناطق ال48، كون آفاقها وتوجهاتها غير واضحة ، لان مستقبلها مازال محفوفاً بالمخاطر والضبابية . ثانيا:-البعد العربي أشرنا في مكان سابق من هذا البحث ، أن الفلسطينيين في مناطق ال48 ، حسموا أمرهم تماما في مطلع الثمانينيات،من خلال تصنيفهم لأنفسهم كفلسطينيين على الصعيد الوطني ، وبالانتماء العربي (قوميا)، وجذور الانتماء القومي العربي ، ليست جديدة ، فحركة الأرض وبعض الأطر ذات التوجهات القومية الأخرى كالجبهة الشعبية وتأثيرات الناصرية في الخمسينيات والستينيات كان لها صداها في أوساط الفلسطينيين في مناطق ال48 . وكان الفلسطيني الذي بقي صامدا على أرضه يجد نفسه مشدودا إلى قوميته العربية رغم خصوصية وضعه ، ومخططات الاسرلة ، بحكم اللغة والدين والتاريخ والوجدان ،حتى أن كوادر وقيادات الحزب الشيوعي الإسرائيلي من الفلسطينيين لم يغفلوا في أدبياتهم وبياناتهم وصحفهم الانتماء القومي العربي بل وركزوا عليه ، رغم إنشدادهم للبعد الأممي وانبهارهم بالاتحاد السوفيتي السابق ، ولو استعرضنا أعداد مجلة الجديد في الثمانينيات لوجدنا أنها كانت تفرد مساحة لا بأس بها للتواصل الثقافي العربي ، وهذا يرتبط بشكل آخر بالانتماء القومي العربي(26) . إن عدداً من المبدعين مثل سميح القاسم و نبيه القاسم و نداء خوري و انطون شلحت حرصوا على الكتابة و النشر في مجلات تصدر في مصر مثل إبداع و الاداب ،منطلقين من أهمية التواصل الثقافي مع العالم العربي.
26-لاحظ أعداد مجلة الجديد التي صدرت في الثمانينيات على سبيل المثال . -16- كان أول من وضع أمام العالم العربي نماذج من نتاجات وإبداعات الفلسطينيين في مناطق ال48 الكاتب غسان كنفاني من خلال دراستين سلطتا الأضواء على حركة الفعل الثقافي والإبداع الفلسطيني في إسرائيل ورموزها (27). وفي لقاءات ومقالات كثيرة أشار عدد من الأدباء إلى مبادرة كنفاني ، التي حطمت الحواجز واخترقت الحصار، ووضعت أمام الأدباء الفلسطينيين في إسرائيل فرصة نادرة للوصول إلى العالم العربي ، وعلى سبيل المثال يقول الشاعر محمود درويش حول هذه المبادرة :- كان اكتشاف العرب، بان العرب في فلسطين المحتلة يتكلمون اللغة العربية ويحبون بلادهم ويكرهون الظلم اكتشافا مذهلا …لقد دل غسان كنفاني الرأي العام العربي على أدب الأرض المحتلة … وإذا كان قد شمل بهذه الصفة ، كل من كتب العربية في الأراضي المحتلة ، فإن أفراحه بما يجد كانت تشمل الكتاب وأشباه الكتاب (28). وبعد خروج الشاعرين الفلسطينيين محمود درويش وراشد حسين من الوطن والتحاقهما بمؤسسات منظمة التحرير وانخراطهما في أطرها الثقافية ، اسهما في تعريف العرب اكثر على المثقفين و المبدعين الفلسطينيين في مناطق ال48 ، والطاقات الثقافية والإبداعية المحاصرة . بات معروفا الآن لمن كانوا يجهلون خصوصية أوضاع الفلسطينيين في مناطق ال48 ، السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والنفسية يدركون الآن أن هناك مجموعة من الناس تشكل أقلية على أرضهم ، تواصلت من ماض إلى حاضر ، وتتطلع إلى مستقبل افضل ، وأن البعد العربي القومي لدى هذه الأقلية يشكل ركيزة أساسية في استمرارها وحفاظها على لونها وقسماتها وبنيتها حيث أن العرب في إسرائيل أقلية قومية لها امتدادا قومي وحضاري خارج دولة إسرائيل وعلى حدودها ولهذه الحقيقة مدلولات وتعقيدات غير خافية على أحد (29). 27-الكاتب الفلسطيني غسان كنفاني أول من نبه لإبداعات الفلسطينيين في مناطق ال48 و عرف العالم العربي بعدد من الكتاب من خلال دراستين قيمتين صدرتا في بيروت و هما أدب المقاومة في فلسطين المحتلة ،وصدر عن دار الأدب عام 65،و الكتاب الثاني الأدب الفلسطيني المقاوم 48-68 صدر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية عام 68 . 28-كنفاني ،غسان ،في الأدب الصهيوني ،ص13 . 29- زيدان ، سعيد (المواطنة و العرب في إسرائيل ) ، قضايا ،ص4 . -17- وقد تجلى هذا البعد في النتاجات الثقافية والإبداعية التي كثفتها في مرحلة من المراحل قصيدة محمود درويش ، سجل أنا عربي التي انتشرت في العالم العربي ولُحنت وسُجلت على أشرطة كاسيت . برزت في الثمانينيات اهتمامات ثقافية في أوساط الفلسطينيين في مناطق ال48، تدعو و تنظِّر بقوة لترسيخ و تعميق الترابط الثقافي مع الأمة العربية ، و كان لمركز إحياء التراث العربي في الطيبة- المثلث ، الذي أسسه صالح برانسي دور واضح في الدعوة إلى تعميق التواصل الثقافي مع العرب . كما أن وصول صحف ومجلات مصرية إلى الضفة والقطاع ، والى المكتبات والأكشاك في الناصرة وحيفا وعكا وبقية التجمعات الفلسطينية الأخرى ، اسهم في تفعيل الاحتكاك الثقافي بين المثقفين العرب والفلسطينيين ، هذا إذا ما أضفنا سفر بعضهم إلى القاهرة ومشاركتهم في ندوات ومحاضرات ومعارض كتب ، الأمر الذي كسر إطار العزلة التي فُرضت عليهم ، وفتح لهم المجال لوضع نتاجاتهم وإبداعاتهم على محك الإبداع العربي ، ومقارنة مستوى تطورهم بالآخرين . سعى عدد من الكتاب و النقاد لمواكبة الحركة الثقافية والفكرية العربية باستعراض بعض النتاجات ومتابعة مضامينها ، والتعليق عليها في الصحف والمجلات المحلية ،وكان من انشط المواكبين لحركة الفعل الثقافي العربي الناقد نبيه القاسم ، فهو لم يهمل قضية الدكتور نصر أبو زيد، والنقاشات التي دارت حول تكفيره في مصر ، وكان له رأي نشره في كتاب في الهم الثقافي وكتب القاسم في نفس الكتاب عن الروائي المصري يوسف القعيد وعن رحيل الشاعر العراقي محمد المهدي الجواهري وكذلك عن رحيل القاص يوسف إدريس ، وكتب أيضا عن زياراته الثقافية إلى مصر وتونس (30). 30- قاسم نبيه ال ، في الهم الثقافي ،ص10،55،77،85،94 .
-18-
وأتيحت الفرصة في أواخر التسعينيات للمحاضر والمثقف الفلسطيني الدكتور عزمي بشارة زيارة سوريا ، وقام بإلقاء عدد من المحاضرات الثقافية والسياسية ، في الجامعات السورية ، وأجريت معه مقابلة في محطة LBCالفضائية اللبنانية في برنامج حوار العمر ، اخذ الجانب الثقافي قسطا كبيرا منه (31). قامت بعد دور النشر العربية في القاهرة وبيروت وعمان بنشر نتاجات ثقافية وبحثية لكفاءات ثقافية وإبداعية في مناطق ال48،مثل مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت، التي نشرت نتاجات للدكتور عزيز حيدر وأنيس شقور والدكتور محمود ميعاري وغيرهم. ونشير إلى أن حرب الخليج والوضع التدميري الذي تعرض له العراق،وجد تعبيراته في المجلات والصحف الفلسطينية،حتى وأن بعضها تحمس للعراق ودافع عن مواقفه،فيعقوب حجازي في مجلة نداء الأسوار ارجع الخلخلة الحاصلة في المجتمع العربي في مناطق ال 48،التي تندرج في خانة الإحباط العربي العام،والذي لا بد وأن يجد تعبيراته القومية في القريب العاجل مُديناً فرض العقوبات على العراق وعلى الجماهيرية الليبية (32) ، بمعنى أن حجازي ربط انعكاس ما يجري على الساحة العربية و الويلات التي تعاني منها بعض الشعوب على الفلسطينيين في مناطق ال48، ولو على الصعيد النفسي و المعنوي . ونشرت الأسوار في نفس العدد قصيدة للشاعرة الكويتية د.سعاد الصباح،تشيد فيها بدور العراق و تضحياته من أجل العرب ، في حربه مع إيران ، و لعل لنشر هذه القصيدة أكثر من مغزى ، و لا سيما و أن الصباح أيدت فيما بعد العدوان على العراق (33) . و عملية التواصل مستمرة ،و اليوم ليس كالأمس ، و عجلة الحياة لا ترجع إلى الخلف ، و طوق الحصار الذي كان مفروضا على الفلسطينيين في مناطق ال48 في الأربعينيات و الخمسينيات و الستينيات لا يمكن سحبه على الثمانينيات و التسعينيات ، مرحلة الفضائيات العربية ببرامجها الفنية و الثقافية و الإخبارية السياسية ، كما أن الإنترنت يشكل جسرا عابرا للحدود و مصغِّرا العالم ضاغطا إياه في برنامج و شاشة .
31-أفردت المقابلة مساحة واسعة لدور المثقفين الفلسطينيين في مناطق ال48 و ازدواجية وضعهم . 32-يعقوب حجازي ، السلام عليكم ،نداء الأسوار ،ص62. 33-صباح سعاد ال، انهم قد أنقذوا رأس العرب ،نداء الأسوار ،ص61 . -19- ثالثا : البعد الإسرائيلي التأثر بالواقع يختلف حال الكتاب والمثقفين وبقية العاملين في مجالات الفن المختلفة من الفلسطينيين في مناطق ال48،عن وضع إخوانهم في الضفة، ففي هذه المناطق فرضت عليهم الهوية الإسرائيلية والمواطنة وأغلقت في وجوههم الأبواب بعد عام 48 ، وجدوا أنفسهم أمام واقع غريب،متشابك ، صدمهم في البداية،ثم حاولوا فهمه والتعرف عليه من أجل أن يتسنى لهم العيش و الاستمرار . لكن التفاعل مع الواقع المفروض لم يكن بلا ثمن بل تطلب تعاملا مع المؤسسات الأكاديمية والثقافية والتربوية الحكومية في البداية من منطلق الحاجة،ليجد الطالب أنه يتعامل مع منهاج إسرائيلي،ومع أستاذ جامعي إسرائيلي،ومع لغة عبرية،ومع مفاهيم مزيج بين الشرقي والغربي المسُتجلبين من أُصول مختلفة . ورغم هذه السنوات ما زال عدد من المثقفين والمبدعين يمتنعون عن الظهور في ندوات و مؤتمرات يشارك فيها كتاب يهود،وحتى سنوات متأَخرة،امتنعوا عن إجراء مقابلات مع الراديو والتلفاز الرسميين،إلا أن المعايير تبدلت والموازين اختلفت و اختلت لصالح الحوار مع المثقفين اليهود والتعامل مع المؤسسات الثقافية الرسمية القائمة ، إما لأسباب سياسية أو معيشية أو لقناعة بإمكانية التأثير في الآخر . وكان للحزب الشيوعي والحركات التقدمية فهماً يقضي بالتمييز بين كاتب عنصري معادٍ للفلسطينيين وبين كاتب ينادي بإعطاء حقوق أوسع للأقلية القومية الفلسطينية . و قد تغير الموقف من التعامل مع وزارة المعارف الإسرائيلية،فقسم كبير من الكتاب الذين كانوا يرفضون التعاطي مع منشوراتها ونشاطاتها،غيَّروا مواقفهم،معللين أن موقف الوزارة قد تغير إيجابيا من الثقافة والمثقفين الفلسطينيين في مناطق ال48،ولدرجة أن بعض المثقفين الفلسطينيين قال (( إن هناك تحولا جذريا في التعامل مع المثقف العربي والمبدع العربي،وكان من الطبيعي أن تتغير مواقف المبدعين والمثقفين اليساريين والوطنيين الرافضة للتعامل مع هذه المؤسسات الحكومية …(34) . 34-قاسم نبيه ال ، في الهم الثقافي ، ص118.
-20-
وعلى ضوء هذا التشخيص الذي يلتقي عليه عدد لا بأس به من الكتاب والمثقفين و المبدعين الفلسطينيين،شارك مئات الكتاب والمسرحيين والفرق الغنائية وفرق التراث الشعبية في نشاطات نظمها في السنوات الأخيرة بيت الكرمة ،وفي هذا الإطار لم يعد غريبا أن تجد أميل حبيبي أو سالم جبران أو انطوان شلحت أو محمد علي طه أو محمد نفاع أو حنا أبو حنا أو حبيب بولس أو شفيق حبيب أو حنا إبراهيم أو سعود الأسدي أو محمود دسوقي أو عبد عابدي أو عطا الله جبر وغيرهم عشرات،يشاركون في الأيام الثقافية أو المنصات الثقافية التي تقام ضمن برنامج شهر الثقافة العربي (35)،و المقصود الشهر الذي تقيمه و تنظمه وزارة المعارف و بيت الكرمة . وربما يكون الكلام المقتبس في الفقرات السابقة صحيحا في ظاهره ، لكنه يخفي في باطنه توجهات خطيرة أهمها محاولة المؤسسات الحكومية الإسرائيلية الثقافية أن تحل محل مؤسسات وأطر وتجمعات ثقافية ارتبطت بأحزاب أو مؤسسات وطنية تفككت أو تراجع دورها،نظر للأزمة السياسية التي تعيشها الحركة الوطنية الفلسطينية في مناطق ال48،أو جراء تراجع الدور الثقافي الذي كانت تضطلع به المؤسسات التابعة للحزب الشيوعي بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وبقية الدول الاشتراكية،وانعكاسات ذلك،السياسية والثقافية على وضع الحزب ونشاطاته . وإذا كان هناك تغير في مواقف المثقفين الفلسطينيين في مناطق ال48 من التعامل مع المؤسسات الثقافية الحكومية والسعي للحصول على إجازة التفرغ للكتابة بما فيها من امتيازات،فإن حركة ترجمة نتاجات كتاب إسرائيليين أو المشاركة في مسرحيات وأفلام مشتركة قد شهدت نشاطا في السنوات الأخيرة،ومن أشهر الكتاب الفلسطينيين الذين نشطوا في حركة الترجمة الكاتب سلمان ناطور،الذي يبدي مواقف متحمسة لما ينتجه روائيون وكتاب قصة و شعراء يهود يرى أنهم يجسدون مواقف تقدمية أو متفهمة لقضية الشعب الفلسطيني ،ويدافع ناطور عن نشاطه على هذا الصعيد،من منطلق أنه توجد ثقافة عبرية إسرائيلية،لها سماتها ومميزاتها وأركانها،وهي ككل ثقافة متشعبة المستويات و التيارات ، وأي محاولة لإنكار وجود هذه الثقافة هي ابتعاد عن الواقع و هروب منه (36) . 35- قاسم نبيه ال ،المرجع السابق ،ص118. 36-ناطور سليمان ،عن الثقافة الإسرائيلية ،لمن ترسم الحدود ،ص 5 -21- ورغم أن المتحمسين للحوار والمشاركة المباشرة مع الكتاب والمثقفين الإسرائيليين يستندون،إن لا خوف في التفاعل والمشاركة،لأن الثقافة العربية متأصلة وذات جذور و الثقافة الإسرائيلية خليط غير متبلور،فإن الوقائع على الأرض تشير بوضوح إلى تأثر الكتاب والمثقفين الفلسطينيين بأساليب التدريس الإسرائيلية،وبالمناهج التعليمية وبأساليب البحث،إضافة إلى تأثير وسائل الإعلام الإسرائيلية الرسمية حتى في الثقافة الفلسطينية،في إطار برامج وتوجهات الأسرلة الرامية إلى جعل الثقافة الإسرائيلية ونمط الحياة السائدة هي المسيطر،ومن المفارقات هناك الكثيرون من المثقفين الفلسطينيين الذين يتقنون التعبير عن أنفسهم بالعبرية أكثر من العربية،كما أن الكلمات العبرية تسللت إلى القاموس اليومي للمثقفين وللناس العاديين،إضافة إلى التأثيرات الثقافية في المجال العمراني،لأن العمران يعكس ثقافة ذات شروط ومقاييس و تحديدات معينة (37) . رابعا : البعد العالمي كان التواصل مع العالم بثقافاته المختلفة هدفا حاضرا بالنسبة للمثقفين والمبدعين و الأكاديميين الفلسطينيين،وساعد على ذلك في البداية بعثات الطلبة الذين كان يرسلهم الحزب الشيوعي والجبهة الديمقراطية(الإطار الجماهيري المرتبط بالحزب)لمواصلة التحصيل الأكاديمي في الاتحاد السوفيتي السابق بشكل خاص،والدول الاشتراكية الأخرى بشكل عام،حيث كان الطلبة يتعلمون لغات هذه الدولة ويتأثرن بثقافاتها،لاسيما وأنهم أصلا إما أعضاء في الحزب الشيوعي الإسرائيلي أو من دائرة أصدقائه،حتى أن بعض الطلبة عادوا و كتبوا كتبا عن تجربتهم وعن تفاعلهم مع الثقافات الأخرى ،فتوفيق زياد كتب نصراوي في الساحة الحمراء وأصدره عام 1975،وسميح غنادري الذي درس في الاتحاد السوفيتي، ترجم الكثير من الموضوعات عن كتاب ومبدعين سوفيت ونشر بعضها في الثمانينيات في الجديد و البعض الأخر في الاتحاد . كما نشر الكاتب عفيف سالم،عشرات المقالات في الاتحاد ، والغد وفي مجلة الآداب التي أسسها فيما بعد ورئس تحريرها، حول جوانب ثقافية متعددة في الاتحاد السوفيتي السابق ، و الدول الاشتراكية الأخرى . 37-إمارة محمد حسن ،( ملاحظات حول الاحتكار الحضاري بين اليهود و العرب )المواكب ،ص5
-22- و تأثر أكاديميون فلسطينيون درسوا في الولايات المتحدة و بريطانيا و فرنسا و دول أوروبية أخرى بثقافات البلدان التي درسوا فيها وانفتحوا عليها ، و هؤلاء من أبناء أُسر ذات أوضاع اقتصادية ميسورة استطاعت أن تحقق مكاسب اقتصادية في إطار عملية البحث عن الذات فردياً ، في ظروف معينة ، و ضمن أعمال الوساطة التجارية بين شركات إسرائيلية و المجتمع الفلسطيني أو في أعمال المقاولات و غيرها . يقول الكاتب عفيف سالم لقد مكنتني الدراسة في الاتحاد السوفيتي من التعرف على ثقافة الشعوب السوفيتية ، فسبع سنوات كانت كافية للاطلاع والمعرفة والتعلم ،كما أتاحت لي الدراسة فرصة الالتقاء بطلبة من الأقطار العربية و من إفريقيا و من دول أوروبية متعددة ،و بقي تأثير الدراسة و اللغة علي قائما حتى هذه الأيام ، التي أعكف فيها على عمل دراسة بحثية عن أوضاع اليهود الروس في البلاد (38) . ليس هذا فحسب بل ان العديد من الطلبة عادوا بزوجات من الاتحاد السوفيتي ،أو من الدول الأخرى التي درسوا فيها ، حيث ظل تلاقح الثقافات مستمرا ، مكنتنا زوجاتنا السوفيتيات أو الروسيات إن شئتم بمصطلح اليوم ، أن نظل على تواصل في بيوتنا مع ثقافات بلدانهن ،و من الحفاظ على الحصيلة اللغوية التي تعلمناها هناك (39) . و بحكم انتشار اللغة الإنجليزية و زيادة نسبة المتعلمين في المجتمع الفلسطيني ، فان الاطلاع على الثقافات الأمريكية و الأوروبية و التأثر بها في ظل تقدم وسائل الاتصال ، بات سهلاً و متوفراً ، كما أن الفيلم الأمريكي بمظاهره و مضامينه و تقنياته يغزو المجتمعات كافة ، بما في ذلك المجتمع الفلسطيني في مناطق ال48 الذي يعيش في دولة تربطها علاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة .
38-سالم عفيف ، مقابلة خاصة بالبحث .مرجع سبق ذكره . 39-سالم عفيف ،نفس المقابلة السابقة .
-23- تقول الشاعرة نداء خوري من قرية فسوطة في الجليل الأعلى نحن جزء من هذا العالم ، رغم أن ظروف الحياة فرضت علينا هنا قسرا ، لكن وسائل الاتصال الحديثة من إنترنت و فاكس و فضائيات تتيح لنا كمبدعين متابعة ما يجري على الساحة الثقافية العالمية ، إلى جانب أن مثقفينا صاروا يستعملون الإنترنت لنشر نماذج من نتاجاتهم ليتواصلوا مع العالم (40) . وكخلاصة يمكن القول :- 1- ان الأبعاد الأربعة بتداخلاتها و تمايزها ، تؤثر بشكل متفاوت على الأوضاع الثقافية للفلسطينيين في مناطق ال48 ، و أن الفلسطينيين لا يستطيعون إقفال الباب أمام أي باب من هذه الأبواب ، لأسباب موضوعية ذاتية . 2- ان البعدين الفلسطيني و العربي يقفان في المقدمة و يحوزان على القسط الأكبر من التأثير ، لكن البعد الإسرائيلي هو الآخر يرمي بثقله و تأثيره اليومي يُشكل عاملا منافسا ، نظرا لحضوره المكثف في حياة الفلسطينيين في مناطق ال48. 3- ان الثقافة الفلسطينية في مناطق ال48 متبلورة وذات جذور وملامح واضحة،إلا أن التداخلات السياسية و الاقتصادية مع المؤسسات الحكومية الإسرائيلية و امتداداتها تجد مساربها إلى الثقافة الفلسطينية . 4- اتفاقات أوسلو و تجاهلها للفلسطينيين في مناطق ال48 ، و الأجواء التي خلقها انفتاح السلطة الفلسطينية على إسرائيل ، أعطى الضوء الأخضر للمثقفين و المبدعين الفلسطينيين لمزيد من الانفتاح و التفاعل مع المؤسسات الثقافية الإسرائيلية المختلفة ، و شطب خطوطا حمر كان قد رسمها تيار منهم لنفسه منذ سنوات خلت .
40-خوري نداء ،مقابلة خاصة بالبحث 25/12/2000 .
-24- هل هي ثقافة مأزومة ؟ إن تعبير أو تشخيص الأزمة اصبح ملازما لكل ما يكتب أو يقال عن الكثير من الأوضاع والمناحي المتعلقة بالحياة العامة في العالم العربي،فالندوات التي نتابعها عبر الفضائيات عن الحركة المسرحية في مصر وبقية الدول العربية تتحدث عن أزمة، وتشخيص الوضع المأزوم للسينما العربية بات حاضرا في البرامج والندوات التي تنشر وتبث في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة،كما أن هناك إجماعاً محلياً وعربياً على أن حركة النقد الأدبي في أزمة،إضافة إلى الكتابات التي لا تنتهي عن أزمة الفكر العربي ، وكذلك عن الوضعين السياسي والاقتصادي المأزومين حد المأساة . وما دمنا نتحدث عن ترابط وتواصل بين العالم العربي،فإن ما يحدث ويتفاعل هناك يجد تعبيراته على الساحة الفلسطينية الداخلية بشقيها،بالنسبة للفلسطينيين في الضفة والقطاع ، أو الذين عُرضت عليهم الجنسية الإسرائيلية في الجليل والمثلث و النقب والمناطق الأخرى،لكن هل نستطيع سحب ما يحدث في الساحة العربية سحبا كربونياً على ساحة الفلسطينيين في مناطق ال48 ؟ الجواب كلا، فلكل ساحة خصوصيتها وظروفها ومعطياتها،مع إقرارنا أن التفاعل بين الخاص والعام يفعل فعله ،وبالانتقال من المجرد إلى الملموس ، فقد سبق وان أشرنا في موقع سابق من هذا البحث واعتمادا على مرجع الفلسطينيون في إسرائيل في ظل اتفاقية أوسلو ،أن الأحزاب السياسية الفلسطينية في مناطق ال48 تعاني من أزمات متلاحقة في تركيبها وفي برامجها التكتيكية والاستراتيجية . كما أن أوضاع الفلسطينيين الاقتصادية الصعبة ، والركض المستمر من اجل لقمة العيش ، لا يعطي مجالا لترسيخ وتعميق حالة ثقافية جماهيرية متقدمة ، فالحياة الفعلية للفلسطينية داخل إسرائيل لا تتيح للكتاب أو للمسرح أو السينما ،أن تلعب دورا في عملية التثقيف ، فأغلبية أفراد شعبنا تترك بيوتها في الصباح الباكر ، وعند عودتها في المساء ، لا تجد مع إرهاقها الشديد فسحة للدراسة أو مطالعة الكتب،أو مشاهدة المسرح،ولهذا استفرد التلفزيون والإذاعة في قولبة الوجدان وتوجيه الوعي….(41) .
41- بشارة عزمي ،مرجع سبق ذكره ،ص8 -25- و أعود إلى السؤال،هل الثقافة الفلسطينية تعاني من أزمة؟ وللإجابة عن السؤال المطروح ، لا بد من استعراض بعض المحاور و التجليات ، لنرى في نهاية الأمر، إذا ما كان وجودها قد أفضى إلى أزمة ، وفي حالة توصلنا إلى أن الثقافة الفلسطينية في مناطق ال48 مأزومة ، فما هي آفاق الخروج منها وتجاوزها؟ :- 1_ تراجع الإقبال على الكتاب :- شهدت سنوات السبعينيات وحتى منتصف الثمانينيات انتعاشا في حركة الكتاب ، إصدارا ومبيعا في المدن والقرى والتجمعات الفلسطينية ، وتجلى ذلك في نشاط حركة الإصدارات، وفي إقبال المثقفين والى حد ما المواطنين العاديين على شراء الكتب ، وكانت الندوات واللقاءات الثقافية مظهرا مألوفا في هذه المناطق ، لكن الحال لم يستمر على ما كان ، حيث تراجع وضع الكتاب إصداراً وتسويقاً واهتماماً . يقول الكاتب عفيف سالم كنا نتسابق على إصدار الكتب وشرائها ، وكنا نستقبل أي إصدار لهذا الزميل أو ذاك بشكل احتفالي، وكانت الاتحاد و الجديد وفيما بعد نداء الأسوار ، الآداب ، المواكب وغيرها من النشريات ، تتناول بالاستعراض والتحليل ، وأحيانا بالنقد الإصدارات الجديدة ، لكننا اليوم نجد الكتب مكدسة في المكتبات ، وفي ظل غياب دور النشر الحقيقية ، فان الكاتب يضطر لإصدار كتابه على نفقته كما فعلت في روايتي الأخيرة (42) 2_شبه غياب للندوات والمؤتمرات : المتابع للحركة الثقافية الفلسطينية في مناطق ال48 يقرأ باستمرار مقالات و أخباراً في الصحف والمجلات تشير إلى شبه غياب للندوات والمؤتمرات، وقد تطرق لذلك الكاتب ناجي ظاهر 1999 في مقالات كتبها في عموده الأسبوعي في صحيفة الصنارة ، وحول هذا يقول ناجي ظاهر:- أشرت إلى هذه القضية في عدد من المقالات نشرتها في العام الأخير في جريدة الصنارة وتحديدا في زاويتي الأسبوعية ، ونبهت لمخاطر قصور المؤسسات الثقافية ومأساوية استمرار حالة الشلل الذي تعاني منه…. (43) 42- سالم عفيف ،مرجع سبق ذكره . 43-ظاهر ناجي ،مرجع سبق ذكره . -26- 3- الشلليه: رغم الركود الذي يعانيه الوضع الثقافي ، فإن عددا من الكتاب الفلسطينيين يشكون من انه حتى النشاطات المحدودة والموسمية تتحكم فيها أجواء الشلليه ، فالدعوات للمشاركة توجه انطلاقا من علاقات شخصية بين الجهة المنظمة أو تلك ، كما أن هناك دورا للانتماءات الحزبية في تحديد من يشارك في هذه الندوة أو تلك ،إذا كان المنظم نشطاء في حزب معين (44). 4-احتجاب معظم المجلات الأدبية والثقافية: ظهرت مجلات أدبية ثقافية أثرت في الساحة الثقافية، لكنها غابت في التسعينيات ومازالت غائبة ، وغيابها ترك فراغا جديا ،ونذكر منها الجديد ، الآداب ، الغد ،فيما تصدر المواكب ونداء الأسوار في فترات متباعدة. ويحن الكتاب الذين اصلَّب عودهم الثقافي من خلال صفحات الجديد ، يحنون لهذه المجلة ويتألمون لاحتجابها، إن توقف مجلة الجديد عن الصدور بعد أن ساهمت ورافقت وطورت الحركة الثقافية المحلية طوال ما يقارب الأربعين عاما ،ليس بالأمر الذي نمر عليه مر الكرام ، لأن صفحاتها تولت أجيالاً من الأدباء (45) 5- غزو اللغة العبرية: اللغة العبرية هي اللغة الرسمية الحكومية،وهي لغة التعليم الجامعي العالي، واللغة الرئيسة في المناهج التربوية،وهي لغة المراجع ،واللغة الأساسية في التلفاز والراديو الرسميين ،وكذلك هي لغة المعاملات والوثائق،أنها لغة المسيطر،الحاكم،الممسك بزمام الأمور ،فلا غرابة والحالة هذه،أن تغزو الشرائح الاجتماعية ونقول تغزو ،لأن ذلك غالبا ما يكون على حساب اللغة العربية. يقول الناقد ومعلم اللغة العربية نبيه القاسم ومن مثلنا نحن مدرسي اللغة العربية وآدابها في المدارس الثانوية وعى هذا الهم وعاشه؟!ومن مثلنا تألم وهو يرى طلابه حتى الممتازين بينهم لا يتقنون كتابة رسالة أو قراءة بيت شعر ،ويستهينون بلغتهم وتاريخهم؟(46). 44-خوري ،نداء،مقابلة خاصةبالبحث25\12\2000. 45-قاسم نبيه ال،مرجع سبق ذكره ،ص103. 46-المرجع السابق،ص145. –27- 6- موسمية الأعمال المسرحية: الفنان محمد بكري، من ابرز الكوادر المسرحية الفلسطينية في مناطق ال48 ، ولديه معرفة بدقائق الحركة المسرحية ، معضلاتها، آفاقها، وفي لقاء متلفز حول التجربة ،شخَّص بكري الوضع على النحو التالي:- عندما نريد أن نقيم وضع المسرح في بلادنا ،فإننا يجب أن نرى الواقع الثقافي بشكل متكامل ،فلا مسرح بدون جمهور، وبدون مستوى معين من الثقافة ،فانتشار المرح يحتاج إلى ثقافة مسرحية عامة لدى الناس ،ونحن بأعمالنا نحاول أن نخلق شيئا على هذا الصعيد، لكننا نواجه الكثير من المعوقات… (47) لكن بكري يكرس وقته الآن لمسرح القصبة ومقره مدينة رام الله ،ويتراوح نشاطه بين رام الله والقدس ، بمعنى أن معظم حضور وفعل البكري وعدد آخر من المسرحيين الفاعلين انتقل إلى الضفة ،وهذا بحد ذاته يعبر عن أزمة المسرح في الداخل ،وان كان المسرحيون يعللون ذلك بأن المسرح الفلسطيني حتى و إن تعددت المناطق و الساحات . من يدقق في النشاطات المسرحية الفلسطينية لا يبذل كثيرا من الجهد لاكتشاف موسميتها وقلتها ومحدودية الإقبال الجماهيري عليها رغم انه متوفر في المجتمع العربي في البلاد طاقات مسرحية جيدة تنتظر تقديم الرعاية والمساعدة حتى يتسنى لها التفرغ لتقديم فن راق ملتزم ….ومن الضروري إقامة مسارح للطفل تختار بعناية نصوصا مسرحية تتناسب ورؤية بناء إنسان فلسطيني مستقل (48). ما اقتبسناه يشكل طموحاً ،أمنية ، أما ترجمة ذلك فيحتاج إلى خطط جريئة تراعي خصوصية الوضع الجماهيري والثقافي الفلسطيني في مناطق ال48 ،وتسهر على تنفيذها مؤسسات ثقافية فلسطينية معافاة ولا تترنح في العجز و الآن تعاني من خلط في المفاهيم و التوجهات و التشتت ما بين الفلسطيني الخاضع لتأثير و الإملاء الإسرائيلي .
47-بكري محمد،مرجع سبق ذكره. 48-بكري خولة أبو،كنعان،ع21+22،كانون الأول،ص40. -28- 7- ندرة النقد الأدبي الممنهج : نداء إلى كل من يتعاطى الكتابة النقدية في البلاد: أيها المتطاولون على الكتاب والشعراء وكل مبدع توقفوا عن الكتابة، فقد بلغ السيل الزبى كما قالت العرب البائدة (49). النداء الذي وجهه نبيه القاسم للقسم الأكبر من الذين يمارسون العملية النقدية ، يوضح حال النقد واقتصاره على انطباعات و مسبات بعيدة عن الموضوعية والنقد الممنهج . ولا يجوز أن نعمم ونقول إن كل النقد يصب في خانة الانطباعية، فهناك بعض الأكاديميين والنقاد الذين استوعبوا المدارس النقدية وكتبوا بأسلوب علمي ، لكنهم يصرفون الجزء الأكبر من نشاطهم في العملية الأكاديمية والمعيشية ولا يعطون سوى القليل للنقد الأدبي… (50) 8_شكلية الأطر الثقافية النقابية التمثيلية: تشكل اتحاد الكتاب العرب عام 1981، ورئيس تحريره الشاعر سميح القاسم ، واصدر العدد الأول مجلة مجلته التي حملت عنوان (48)، غير أن هذا الاتحاد لم يرق للكثيرين من الكتاب لقربه سياسيا من الحزب الشيوعي ، فراح الكاتب حنا أبو حنا وآخرون وأسسوا رابطة موازية. وبدأ الاستقطاب بين الجسمين اللذين دخلا في متاهات على حساب العمل ، ومازال وضع المؤسسات الثقافية النقابية مشلولا بلا نشاطات وفي عدد المجلة الأول الذي صدر عن الاتحاد تم الإعلان عن أسماء اتحاد الكتاب العرب (101) عضوا وأكثرهم أعضاء وأصدقاء للحزب الشيوعي (51).
49-قاسم نبيه ال،مرجع سابق،ص114. 50-بولس ، حبيب ، حوار تلفزيون وطن ،5كانون الثاني ،1999 ،التاسعة مساءاً. 51-اتحاد الكتاب العرب ،فصلية ،عدد 1،خريف 88،ص192. -29-
9- سيطرة المؤسسات الثقافية الحكومية: نتيجة لغياب الأجسام الثقافية الفلسطينية،أخذت المؤسسات الحكومية الرسمية تتسلل وتستقطب طاقات الكثير من الأعضاء المؤسسين للأطر الثقافية الفلسطينية و الناشطين السابقين فيها. ويمكننا القول وبشكل كبير، إن تصاعد نشاطات وفعاليات الأجهزة الحكومية في مجال الثقافة على مدار الثلاث سنوات الأخيرة وبميزانيات ضخمة، ما هي إلا وسيلة جديدة للسيطرة واحتواء الأدباء و المثقفين تحت لواء الأسرله (52) 10- صحف بين التجاري والحزبي: تأسست جريدة الاتحاد عام 43، ومازالت تصدر حتى الآن، وبسبب ما أصاب بلدان الدول الاشتراكية من انهيار وتفكك، فقد انعكس ذلك على وضع الحزب الشيوعي الإسرائيلي وصحيفته، التي أصبحت توزع أعداداً قليلة وذات تأثير محدود. وتأسست مجلة الغد ، وهي مجلة ثقافية فكرية عام 51، وظلت تصدر حتى أوائل التسعينيات، وتوقفت لأسباب مالية، ولعل السبب لم يكن ماليا فحسب ، وإنما تأثر الحزب الشيوعي بانهيار الدول الاشتراكية وانعكاس ذلك على أوضاعه بشكل عام. وصدرت في الناصرة وحيفا وفي النقب أسبوعيات توقف معظمها، وفي العقد الأخير ظهرت مجموعة كبيرة من الصحف،بعضها اختفى وبعضها الأخير استمر،أبرزها الصنارة و كل العرب ،هاتان الصحيفتان تحولتا إلى صحف ذات صبغة تجارية وسياسية (53). وإلى جانب الصنارة و كل العرب ، وبعض الأسبوعيات الأخرى، تصدر فصل المقال عن التجمع الديمقراطي، و صوت الحق ذات صلة بالحركة الإسلامية، وتصدر عن هذه الصحف ملاحق أدبية وثقافية ، ولكن حتى هذه الملاحق الأدبية الهزيلة التي أضطر أصحاب الصحف على إبقائها لتبيض ماء الوجه، تتجلى الصورة على أباس حال… (54).
52- قسوم مفيد ،(التثقيف الجماهيري من خلال المشروع الثقافي )، كنعان ،عدد 21+22،كانون أول\شباط1993،ص74. 53- عبد الفتاح عوض ،(وسائل الإعلام ودورها في تشكيل الوعي الثقافي الجماعي)،كنعان، عدد 21+22، ص109. 54-قاسم نبيه ال ،مرجع سابق ،ص22.
-30- وفي إطار تشخيص الأوضاع الثقافية أيضاً لا بد من الإشارة إلى الانقسام في صفوف الكتاب والمثقفين و التناقض بشأن التعامل مع الجوائز الرسمية فعندما تسلم أميل حبيب جائزة الدولة، وصفها البعض أن ثمرة الجائزة غير ناضجة قطعاً، وهي شجرة زقوم قطفها أميل هذه الأيام، وهي تذكر مع الأسف بمواقف شخصه المتشابك (55). في المقابل يسعى الأدباء إلى الحصول على جائز وزارة المعارف للتفرغ الأدبي، وهي أصبحت سنوية وتطال الكتاب الواحد تلو الآخر .
55- مواسي فاروق (حبيبي و الجائزة ) ، نداء الأسوار ،ص85 . -31-
الـخـلاصـة :- لا أحد ينكر الدور الذي لعبه الكتاب والمثقفون والأكاديميون في بلورة الهوية الفلسطينية، والدفاع عن حقوق شعبهم،وقد دفع الكثيرون منهم ثمنا باهظا جراء مواقفهم،ومازال الأساس الثقافي الفلسطيني بملامحه ومفاصله موجوداً،إلا أن ما شهده المجتمع الفلسطيني في مناطق ال48 من أحداث وتطورات إضافة إلى ما شهدته القضية الفلسطينية عامة، وكذلك التطورات المتسارعة التي تحدث في العالم والتي تضع تحديات جمة أمام المثقفين الفلسطينيين،فإن المطلوب ليس التغني بالأمجاد وبما أنجز سابقاً وإنما النظر إلى الواقع ومتطلباتها لإستنباط مهام مستقبلية تخدم الثقافة الفلسطينية والمجتمع والقضايا العربية بارتباطاتها الإنسانية الرحبة. وفي إطار النتائج التي خرجت بها هذه الدراسة يتضح أن الوضع الثقافي الفلسطيني في مناطق ال48 ، عانى في العقدين الأخيرين من تراجع واضح وصل حد الأزمة ،الأمر الذي عكس نفسه على المجتمع ،و كان لذلك مجموعة من المسببات التي تطرقنا لها في سياق البحث (لا سيما إشكالية البعد الإسرائيلي) لكن السؤال كيف يمكن الخروج من هذه الأزمة؟ سؤال كبير، وتتطلب الإجابة عنه وضع خطط وتصورات، وتحتاج إلى دوافع، وإلى إشراك الطاقات الأكاديمية الفلسطينية إلى التحرر من سيطرة الأحزاب السياسية لا أن تظل تمسك بذيلها حيث تقولبها وتشغلها هذه الأحزاب وفق رؤى محدودة. فالثقافي الإبداعي، يجب أن يكون متقدما على الحزبي السياسي ، يستكشف الطريق، ويطرح التصورات والآراء والمواقف بعيون ثاقبة، تستقرئ و تستنبط وترى البعيد، المطلوب، أن يمارس الثقافي دورا فعالاً في المجتمع ويؤثر على السياسي الحزبي و يوجهه ومن جانب آخر، نرى أن الوضع الثقافي للفلسطينيين في مناطق ال48 يعيش خصوصية نادرة، فهو يمسك بخيوط دقيقة، فالجمع بين الأبعاد الوطنية الفلسطينية والقومية العربية والإسرائيلية والعالمية، يتطلب مستوى معينا من التعبئة والتحشيد ، فمقاومة مشايع ومخططات الأسرله التي تقف خلفها مؤسسات ودوائر لا تتم بالتمنيات، وإنما بالتحصين الذاتي وبالتسلح بذلك الإرث والمخزون الثقافي المتواصل منذ آلاف السنين. والمقصود بالتحصين ليس الانغلاق والتقوقع وإنما التخندق المقاوم في (خاص الثقافة العربية الغنية) لإفشال المخططات الهجومية لما يسمى بثقافة المنتصر، ثقافة الأقوى عسكرياً واقتصادية ، أو ثقافة الأغلبية اليهودية . –32-
المراجع الكتب : حيدر عزيز ، الفلسطينيون في ظل اتفاقية أوسلو ، مؤسسة الدراسات الفلسطينية ، بيروت : 1997 . حيدر عزيز، خليفة أحمد وآخرون ، دليل إسرائيل العام ، تحرير جريس صبري و احمد خليفة ،ط4 ،مؤسسة الدراسات الفلسطينية ، بيروت :1997. جبريل ، محمد ، واصف نزال ، فلسطينيو 48 :نضال مستمر ،ط1 مركز الزهراء للدراسات و الأبحاث ، القدس :1990. عبد الله حسن،جمرات من موقد المرحلة ط1،مركز المشرق للدراسات، رام الله :1999. قاسم ، نبيه ال ، في الهم الثقافي ،مطبعة المشرق ، شفا عمرو :1996. كنفاني ،غسان ، في الأدب الصهيوني ، الشرارة ،مكان النشر (؟)، السنة (؟). ناطور ، سليمان ، لمن ترسم الحدود ، اتحاد الكتاب الفلسطينيين ، القدس :1996 .
الدوريات : الآداب ،العدد 5-6،تموز 1990 . اتحاد الكتاب العرب ،فصلية ،عدد 1 ، خريف 1988 . الجديد ، العدد 5،6،7،مجلد 36 ، نيسان ، أيار ، حزيران 1987. الجديد ، العدد 4،5، مجلد 37 ، نيسان ،أيار 1988 . المواكب ، العددان 11+12 ،تشرين الثاني ، كانون الأول 1988. قضايا ، العدد 4 ، آب 1990 . كنعان ، العددان 21+22، كانون الثاني ، شباط 1993 . نداء الأسوار ، العدد 32 ، نيسان 1992 .
مقابلات متلفزة : بكري محمد ( لقاء مع فنان ) ، تلفزيون وطن ، 5 أيلول 2000 ، الساعة العاشرة مساءً. بكري محمد ، ( البيدر ) ، تلفزيون وطن ، 10 حزيران 2000 ، الساعة التاسعة مساءً . حبيب بولس،( الحوار )، تلفزيون وطن،5 كانون الأول 1999 ، الساعة التاسعة مساء ً. خوري نداء ،( البيدر ) ، تلفزيون وطن ،10 تموز 2000،الساعة التاسعة مساءً . ظاهر ناجي ،( المجلة الثقافية ) ، تلفزيون وطن ، 12 نيسان 2000، الساعة العاشرة . مقابلات خاصة بالبحث :- خوري ، نداء ، مقابلة خاصة بالبحث ، 25 كانون الأول 2000 . سالم ، عفيف ، مقابلة خاصة بالبحث (9) آذار 1999 .
* حسن عبد الله- كاتب وباحث فلسطيني مقيم في فلسطين.
|