|
11-4-2005 – أي بي برس – تناول الإعلامي والباحث الفلسطيني حسن عبد الله دراسة علمية تشخيصية وصفية وتحليلية للحركة الإسلامية في مناطق 48 ونظرتها لدور الأقلية القومية الفلسطينية في هذه المناطق. وركز الباحث في دراسته على أحداث أكتوبر 2000، وكيف تعاملت سلطات الإحتلال الإسرائيلي مع حركة التضامن الجماهيرية الفلسطينية التي إنطلقت في الجليل والمثلث والنقب، تضامناً مع أبناء الضفة والقطاع في إنتفاضة الأقصى والإستقلال. وعالج الباحث المواقف والتطورات والرؤى بإسلوب بحثي موضوعي، معتمداً على عدد من المراجع الخاصة بالحركة الإسلامية في مناطق 48. والباحث لم يهمل إنجازات وإيجابيات الحركة، بل أعطاها الحيز الذي تستحقه رغم الروح النقدية التي إتسمت بها الدراسة وتعرضها للايجابيات فانه لم يهمل التطرق إلى السلبيات وتناولها بمصداقية الباحث العلمي وبمنهجية النقد الايجابي ما جعل البحث علميا خالصا تمت معالجة القضايا التي أثارها الباحث من الأبعاد والجوانب كافة. يذكر أن الإعلامي والباحث حسن عبد الله، متخصص أكاديمياً في الشؤون الإسرائيلية، وإلى جانب ذلك فهو مهتم بتوثيق وتأريخ تجربة الحركة الأسيرة الثقافية والإعلامية والإجتماعية وله عدد من الدراسات المنشورة بهذا الخصوص، وقد تميز برسالته الجامعية حول مدى تأثير الإعلام العبري في الحركة الفلسطينية الأسيرة، وحصل الباحث على هذه الرسالة شهادة الماجستير من جامعة القدس. وفيما يلي هذه الدراسة القيمة التي خص الباحث والأديب الأستاذ حسن عبد الله أي بي برس بها.
مدخـــل
تلتقي الحركة الإسلامية في مناطق 48 بشقيها الشمالي والجنوبي مع طروحات القوى و الأحزاب العربية الأخرى، في تشخيص واقع الأقلية الفلسطينية و الاضطهاد و التهميش الذي تتعرض له، ولكنها تختلف ونظرا للأيديولوجية و المفاهيم و المبادئ التي تحكمها في النظر إلى مستقبل هذه الأقلية وكيفية ترتيب حلقات الانتماء ضمن الأولويات المختلفة ما بين الإسلامي و الفلسطيني والقومي العربي، وكذلك بالنسبة لموقع المواطنة الإسرائيلية في ظل دولة ليست إسلامية وليست عربية، و إنما هي دولة ذات طابع يهودي، أي قامت على أساس ديني مختلف عن الدين الإسلامي، الذي تؤمن و تسترشد به الحركة و تحتكم إليه وتصوغ برامجها من خلال تشريعاته ونصوصه. و شكلت أحداث أكتوبر عام 2000 منعطفاً حاداً في التعامل الإسرائيلي الرسمي و المؤسساتي و الشعبي مع الأقلية القومية الفلسطينية، حيث سلطت هذه الأحداث الضوء بشكل مكثف لهذه الأقلية وتحديداً للنخب الثقافية والأكاديمية والسياسية على واقعها كي تراه من جميع جوانبه و زواياه، و تستنبط برامج و تصورات تدرأ عنها أو تجنبها الخطر القادم الذي يتدحرج ويكبر ككرة الثلج. سنحاول في هذا البحث الإجابة عن بعض الأسئلة مثل هل لدى الحركة الإسلامية في مناطق 48 تشخيصا شموليا ودقيقا لواقع الأقلية؟ و كيف تنظر لمستقبلها ؟وهل تحليلاتها و رؤياها بالنسبة إلى أحداث أكتوبر عام 2000، ارتقت إلى مستوى الحدث؟ و كيف تعاملت مع الواقع الجديد الذي نشأ بعد هذا الحدث؟ وكيف تعاملت مع اتهامات السلطة لها بأنها طرف ساهم في تأجيج الأوضاع، وبالتالي يتحمل حصة كبيرة من المسؤولية عما جرى؟
ان هناك ضبابية ما في تشخيص و تعريف الحركة للأقلية و في النظر إلى مستقبلها. و بالنسبة إلى أحداث أكتوبر فإن افتراضنا يقوم على أساس ان الحركة الإسلامية درست المتغيرات، وأخذت الدروس والعبر، لكن دراستها جاءت منقوصة و احتكمت إلى نفس الأساليب و المناهج القديمة، وبالتالي فان الدروس والعبر التي خرجت بها هي الأخرى منقوصة و لا تشكل حلقات متناسقة مترابطة في برنامج كلي. الصفحات المخصصة للبحث سنكرسها لإثبات هذه الفرضية و ربما نفيها إذا ما قادت المعطيات إلى نتيجة مختلفة.
الأكثرية تتحول إلى أقلية مضطهدة ومهمشة
وجد الفلسطينيون الذين استمروا وصمدوا على أرضهم بعد قيام إسرائيل عام 48، انهم تحولوا من أكثرية إلى أقلية مضطهدة مهمَّشة، بعد أن ُشِّرد عدد كبير منهم إلى الضفة الغربية وقطاع غزة والدول العربية المحيطة خاصة الأردن، لبنان، وسوريا. و يمكن تقسيم المراحل التي مرت بها الأقلية الفلسطينية في مناطق 48 إلى التالية:
أولا: من عام 1948 إلى عام 1966:- يتفق المؤرخون و المحللون ان هذه المرحلة هي مرحلة الصدمة، الخوف، السعي للحفاظ على الوجود، في ظل أحكام عسكرية جائرة قيدت الحركة، وتدخلت في كل شيء، إضافة إلى منع أشكال التنظيم السياسي وربط تصاريح العمل بالسلوك الشخصي و الموافقة المخابراتيه. وتعتبر هذه المرحلة الأكثر مأساوية في تاريخ الأقلية الفلسطينية، لا سيما و أن كل القوانين التي سنت خلال الفترة المذكورة جاءت لترسيم وترسيخ دولة يهودية الطابع. وقد قمعت الأجهزة الإستخباراتية و البوليسية بواكير محاولات التنظيم الأولى التي حاول القائمون عليها تشكيل أُطر و تجمعات على أساس وطني قومي.
المرحلة الثانية: 1966-1977: وتمتد هذه المرحلة من رفع الأحكام العسكرية حتى تسلم اليمين الإسرائيلي الحكم على حساب حزب العمل الذي طالما تربع على الحكم وصاغ الأمور وفق برامجه وتوجهاته ورؤياه. في هذه المرحلة بدأت الأطر السياسية والجماهيرية في التشكل، بعد أن كُسِّر حاجز الخوف وطرأ تحسن نسبي في مستوى المعيشة. وبعد هزيمة عام 67، وما نتج عنها من احتلال أراض عربية جديدة، أخذ الفلسطينيون في مناطق 48 يتنبهون أكثر لأوضاعهم، حيث تبدد أملهم في تحرير قادم من الوطن العربي. و قد شهدت المرحلة تفاعلا جماهيريا وسياسيا وثقافيا وفكريا مع الفلسطينيين في الضفة والقطاع وكان لهذا التفاعل تأثير متبادل على الجانبين. كما أن من أهم العلامات المميزة في هذه المرحلة أحداث وتطورات يوم الأرض عام 76، التي سلطت الأضواء على أوضاع الأقلية القومية الفلسطينية، وأكد تشبثها بأرضها و هويتها، ما دفع المؤسسات الإسرائيلية الرسمية وغير الرسمية لإنشاء عشرات الأبحاث والدراسات على خلفية يوم الأرض، حول أوضاع و ظروف الأقلية الفلسطينية و مسببات أحداث الأرض و النتائج التي يمكن أن تترتب على ذلك على المستويين القريب والبعيد. وكان حدث يوم الأرض قد وحد دور أغلبية العرب في إسرائيل في فعالية قومية/مدنية عاكسا تصرفهم السياسي كأقلية قومية ، وفي ذلك مصدر قوته .
المرحلة الثالثة: من 77-88: شهدت هذه المرحلة تحسنا في الأوضاع الاقتصادية والتعليمية والصحية للأقلية مع استمرار التمييز ضدها، إلى جانب أنها بقيت في قاع السلم الاجتماعي و الاقتصادي . تأسست في هذه المرحلة لجان الدفاع عن الأرض و اللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية العربية، و اتحادات و أطر وتجمعات ثقافية، إضافة إلى أحزاب و قوائم جديدة، مثل القائمة التقدمية للسلام والمساواة، والحزب الديمقراطي العربي، كما شهدت الإرهاصات الأولى للحركة الإسلامية ثم تبلورها.
وقد دخلت الانتفاضة الفلسطينية و تفاعلاتها بقوة في هذه المرحلة وسببت ارباكاً في مواقف الأقلية الفلسطينية، حول ما الذي من شأنها أن تقدمه و ماذا يتوجب عليها أن تفعل إزاء التطورات، إذ ترسخ الشعور عند الفلسطينيين في مناطق 48 بأنهم مهمشون في المجتمع الفلسطيني، إضافة إلى الشعور المشابه الذي تكون سابقا حيال المجتمع الإسرائيلي، وكذلك فان الانتفاضة نفسها زادت في غموض التوجهات السياسية، لكنها ساهمت في وقت لاحق في بلورة هذه التوجهات وإيضاحها بما أحدثته من تغير في السياسة الإسرائيلية تجاه الأقلية العربية .
المرحلة الرابعة : 1988-2000 استمرت الانتفاضة الفلسطينية في هذه المرحلة، وصولا إلى المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، وما تمخض عنها من اتفاقيات وتشكيل السلطة الوطنية الفلسطينية. وقد أدى اتفاق أوسلو إلى فك الارتباط بين حل القضية الفلسطينية وبين تحسين مكانة وأوضاع العرب في إسرائيل. وقد كان هذا الارتباط راسخا في الفكر السياسي عند جميع التيارات السياسية العربية في إسرائيل طوال خمسة عقود . لكن الانفراج الفلسطيني الإسرائيلي لم يدم طويلا، إذ تعثر تطبيق بنود كثيرة في اتفاقيات أوسلو و ملحقاتها، نتيجة المماطلة الإسرائيلية الرسمية،كما أن مفاوضات كامب ديفيد التي اشرف عليها كلينتون بمشاركة عرفات و باراك لم تحقق شيئا، حيث انهارت هذه المفاوضات أمام تعقيدات القضايا المفصلية الخلافية مثل القدس و اللاجئين. تفجرت انتفاضة الأقصى أو انتفاضة القدس في محاولة لتحريك الأوضاع وتحسين الشروط التفاوضية الفلسطينية، وهناك من يقول ان الانتفاضة في البداية كانت مزدوجة الأهداف أولا ضد الاحتلال و تبعياته و تمفصلاته، و ثانيا ضد الفساد و مظاهر الإثراء التي أفرزت شريحة مرتبطة بالسلطة، استفادت من الوضع القائم واغتنت و ترفهت على حساب فقر وكدح وخيبة أمل الغالبية العظمى من الفلسطينيين من اتفاق لم يأت لهم لا بتحسين أوضاعهم الاقتصادية و لا باستقلال. جندت حكومة باراك كل إمكاناتها في سبيل القضاء على الانتفاضة، وسقط باراك مهزوما في الانتخابات وجاء شارون ليدخل مع الفلسطينيين في حرب حقيقية. لكن المهم هنا بالنسبة للأقلية الفلسطينية، كيف انعكس ما يجري لإخوانهم في الضفة والقطاع على أوضاعهم، وتحديدا كيف تعاملت حكومة باراك مع الحركة الجماهيرية التضامنية، وما دلالات إقدام الشرطة الإسرائيلية على قتل ثلاثة عشر فلسطينيا في إطار الرد على مسيرات ومظاهرات نظمت في القرى و البلدات و التجمعات السكانية العربية . وإذا كنا سنتعرض للأسئلة المطروحة بنوع من التفصيل والتحليل في مكان لاحق من هذا البحث، فلا بد من الإشارة إلى ما حصل مَسَّ بمصالح الأقلية ، علماً أن هناك بعض من يقفون على رأس أحزاب و أطر يرون أن الهبة الشعبية طورت ذاتها وعيا وطنيا وعمقت في الهوية القومية، حيث كانت الحركة الوطنية ستحتاج إلى سنين طويلة من العمل في الأيام العادية لتطويرها. وقد زودت الهبة الحركة الوطنية بتجربة جماعية مكثفة .
المرحلة الخامسة: من عام 2000 و امتداداتها مستمرة: شكلت أحداث أكتوبر عام 2000 بداية لمرحلة جديدة في تجربة الأقلية العربية الفلسطينية في مناطق 48، عندما عمت المظاهرات القرى و البلدات العربية، وكذلك مدينة الناصرة، اسنادا للجماهير الفلسطينية في الضفة والقطاع وتضامنا معها، و احتجاجا على سياسة القمع الموجهة ضد المدنيين الفلسطينيين. نظرت حكومة باراك آنذاك للحركة التضامنية الشعبية على أنها بداية تحرك للأقلية العربية، من شأنه أن يحدث إرباكا وربما تهديدا للدولة التي تواجه انتفاضة منظمة و متصاعدة في الضفة والقطاع، فأطلقت العنان للشرطة والأجهزة الأمنية وأذرعها لكي تقمع الجماهير بالقوة، فكانت النتيجة ثلاثة عشر شهيدا و عشرات الجرحى و المعتقلين. كان رد فعل حكومة باراك الدموي ليس كل ما في الموضوع، لقد كان القمع الميداني للجماهير مقدمة لخطوات حكومية و مؤسساتية وشعبية معادية للأقلية العربية سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وإعلامياً، حيث مازالت آثار وانعكاسات وتفاعلات الحملة ضد الأقلية العربية مستمرة. ويتوقع محللون وسياسيون أن تمتد التوجهات المعادية لسنوات مقبلة ، خاصة وأن الجهاز السياسي ونتيجة لنقاشات ودراسات جرت في السنتين الأخيرتين قد أطلق يد الجهاز الأمني بشكل يُذكِّر بمرحلة قديمة، ليتعامل مع الأقلية القومية العربية وفق رؤياه القائمة على أساس استخباراتي بحت .
حركة بنِتُ بيئتها العربية والإسلامية
بما أننا سنتناول خلال هذا البحث رؤية الحركة الإسلامية للأقلية العربية الفلسطينية في مناطق 48، وكيف تقرأ هذه الحركة واقع الأقلية، وبأي أفق تتعامل معها، فمن الطبيعي أن نعطي أولاً فكرة عن الحركة والظروف التي ولدت فيها، وبماذا تأثرت، وكيف تصنف نفسها ، حتى يتسنى لنا محاكمة أفكارها و توجهاتها للأقلية العربية. لم تأت الحركة الإسلامية في مناطق 48 من فراغ، وهي حركة ليست خارج سياق الحركات الإسلامية في المنطقة، بل هي امتداد لها بشكل عام، و إن كانت تتمتع بخصوصية عالية، نظرا لمواصفات و اشتراطات عمل القوى والأحزاب العربية في دولة ذات طابع يهودي. وإذا كانت الأحزاب العربية في مناطق 48 تعاني من تحديات و تعقيدات جمة تعصف ببرامجها وتوجهاتها، فان ما يحيط بالحركة الإسلامية هو الأكثر تعقيدا، ما دمنا نتحدث عن أيديولوجية دينية تختلف تماما عن الأيديولوجية الدينية السائدة التي تشكل إحدى مكونات الدولة الأساسية والمقصود الديانة اليهودية. والحركة الإسلامية في مناطق 48 هي بنت البيئة العربية والإسلامية، وترتبط بالتجربة في المنطقة، لأن الأصولية الإسلامية أو -السلفية- تمتد في التاريخ العربي الإسلامي منذ الإمام أحمد بن حنبل و الإمام ابن تيمية و تلميذه ابن القيم حتى الجماعات الإسلامية المعاصرة و انفجاراتها في حزب التحرير الإسلامي. وتبلورت في التاريخ المعاصر حركة الإخوان المسلمين، حيث ولدت و ترعرت في عدد من البلدان العربية، على سبيل المثال ظهر الإخوان في مصر منذ بداية العشرينيات و تمتعوا بقوة جماهيرية إلى أن اصطدم برنامجهم مع الرئيس جمال عبد الناصر، الذي وجه لهم ضربات تنظيمية كبيرة شلت حركة فعلهم سنوات. وقد ترك حسن البنا منظر الحركة تأثيرا فكريا وسياسيا على حركة الأخوان المسلمين في العالم العربي، ومن بين ذلك حركة الإخوان في غزة. حاولت حركة الإخوان الانبعاث من جديد بعد هزيمة عام 67 في مصر، وفي عدد من الدول العربية، وكانت تُقمع من الأنظمة ،أو تضطر للتحالف معها، كما كان الحال عليه في الستينيات والسبعينيات بالنسبة لحركة الإخوان في الأردني. انتصرت الثورة الإسلامية في إيران لتعطي دفعا معنويا للحركات الإسلامية كافة في العالمين العربي والإسلامي، حيث رأى بعض المنظرين الإسلاميين أن انبعاث الحركات الإسلامية جاء بهذا الزخم و القوة، لأن النظم اليمينية واليسارية فشلت في دور تأمين السعادة و الطمأنينة للإنسان ، بمعنى أن ذلك دفع الحركات الإسلامية لكي تأخذ على عاتقها القيام بهذه المهمة. ومن الطبيعي أن تتأثر الحركة الإسلامية في فلسطين بما يتفاعل في المحيط، وهذا بدا واضحا في الضفة والقطاع، حيث بعد انتصار الثورة الإيرانية، نشط الإسلاميون وزادوا من حركة فعلهم بوتائر أكثر و على نطاق أوسع ،لتشكل الحركة الإسلامية في الضفة والقطاع حاضنة لبعض الأكاديميين و الدارسين الذين تعلموا في معاهد وكليات دينية في الضفة الغربية، خاصة في الخليل ونابلس، مثل الشيخ عبد الله نمر درويش مؤسس الحركة الإسلامية في مناطق 48 والشيخ كمال الخطيب فبدأ في السبعينيات ما يعرف في الوسط العربي بالحركة الإسلامية ، بعد أن عاد درويش و الخطيب وبدءا عملية التأسيس والبلورة.
أولوية الإسلامي على القومي
الاضطهاد الذي يعانيه الفلسطينيون في مناطق 48، والذي يطال مناحي الحياة كافة يشكل تربة خصبة للحركة الإسلامية كي تعمل وتحرض و تستقطب، لا سيما في صفوف القطاع العريض من الفقراء، خاصة وأن الجهات الرسمية الإسرائيلية على اختلاف تسمياتها تسعى لتهميش دور الأقلية العربية، وبالتالي فان التعامل معها يتم على أساس فردي، أي أشخاص ومجموعات صغيرة ،وفي أحسن الأحوال قرى وبلدات، بعيدا عن معاملتهم كقومية لها وزنها، و تأثيرها ،ولها مصالحها و مطالبها الجماعية، هذه الأوضاع بكل ما تحمله من فقر وبؤس و تهميش مقابل امتيازات لا حصر لها للوسط اليهودي، جعل الحركة الإسلامية تركز على تقديم الخدمات للمواطنين الفلسطينيين في مناطق 48، و تحديداً في القرى والتجمعات الفقيرة، مستفيدة من الفراغ الخدماتي في الوسط العربي. لذا فقد شكل الحقل الاجتماعي والاقتصادي الخدماتي مدخلا ملائما للحركة الإسلامية كي تتغلغل في المجتمع و تتمأسس و تدخل في عمق النسيج الاجتماعي المتعطش لتلقي الخدمات و المساعدات، انطلاقا من حاجته في ظل غياب البديل. وتتوزع خدمات الحركة الإسلامية في لجان الزكاة و الطلاب و الإصلاح –إصلاح ذات البين- و الدوري الرياضي الإسلامي و العيادات الصحية وروضات الأطفال، جمعية الأقصى لحماية و رعاية الأوقاف والمقدسات و جمعية الإغاثة الزراعية و جمعية اقرأ و جمعية اليتيم و السجين......
وتسعى الحركة مثلما يسعى التجمع الوطني الديمقراطي و أحزاب وتجمعات عربية أخرى إلى ردم الفراغ الذي حدث بسبب تراجع دور الحزب الشيوعي في السنوات الأخيرة، و تحاول استثمار تراجع الحزب في تقوية نفوذها وبناء مؤسساتها ذات الطابع الإسلامي، حيث أن هذه الحركة تطرح نفسها بأنها حركة الاقليه العربية، المؤهلة للاضطلاع بتمثيلها و التحدث باسمها. لكن الحركة الإسلامية لا تعمل في فراغ، فهناك أحزاب تنافسها و تتقاسم التمثيل معها، مثل الحزب الشيوعي الذي مازال له بعض النفوذ و التجمع و أحزاب أخرى، بعضها ممثَّل في الكنيست. وتبقى مهمة الحركة كما هي مهام الأحزاب الأخرى صعبة و شائكة و محفوفة بالمخاطر ، لأن الفلسطينيين في مناطق 48 هم مواطنو دولة تعلن عن نفسها أنها ليست دولتهم، وهي في الوقت نفسه دولة أناس كثيرين ليسوا مواطنيها و رغم النفوذ الذي حققته الحركة الإسلامية في مناطق 48 مؤخرا، ورغم اتساع نطاق قاعدتها الجماهيرية، فإنها كباقي الحركات الإسلامية في العالم العربي تعاني من لإشكالية في التعامل مع الموضوع القومي نظريا و عمليا، إما للإنشداد إلى الطرح الإسلامي العام على حساب التوجه القومي، من منطلق أن العنوان يجب أن يكون الإسلام والمسلمين، و الباقي يأتي في سياق التفصيلات، و اما انطلاقا من التجربة السلبية للحركات الإسلامية مع الأنظمة و الأحزاب القومية، مثل النظام الناصري في مصر، والبعث في سوريا والعراق، والنظام القومي العلماني في الجزائر و النظام في ليبيا... الخ. فعندما لم تستطعْ حركة الإخوان المسلمين وغيرها من الجماعات الإسلامية المنضوية في حزب التحرير أو جبهات عمل إسلامي أو تجمعات إسلامية أخرى استقطاب هذه الأنظمة والسيطرة على رموزها فكريا، دخلت في تناقضات معها كما حصل في مصر فترة جمال عبد الناصر، وكما هو حاصل الآن في الجزائر. إضافة إلى أن تجربة التحالف بين نظام الحكم المطعم بمفاهيم و توجهات دينية لم تنجح في السودان، رغم أنها صمدت بعض الوقت ليرتد النظام على حزب الترابي، الذي خطط للسيطرة الفعلية على الحكم . أما في فلسطين فان خلط الحركات الإسلامية بين الوطني والقومي و الإسلامي يكاد يكون واضحا في الخطاب السياسي للأحزاب والحركات الإسلامية، وان القفز إلى الإسلامي العام (أمة إسلامية) على حساب الحلقة الوطنية و القومية غالبا ما يحدث تشويشا في طروحات هذه الحركات، إذ أن الانشداد للأمة الإسلامية، ربما يكون على حساب الحلقتين الوطنية والقومية، حيث ينطلق الغالبية العظمى من الإسلاميين في العالم العربي من أن الوصول إلى بناء الدولة الإسلامية، مسألة وقت، فذلك مرتبط بإرادة سماوية، ومادام الوضع على هذا النحو، فان ما يطرحون و ينظرون سيسود، وستتم ترجمته إلى لغة الفعل والتجسيد فربانية المنهج الإسلام: هذه الصيغة التي تجعل له القوامة على سائر المناهج الوضعية، وتفرده بخصائص البقاء والعطاء في كل زمان ومكان وعلى كل صعيد . يطرح الإسلاميون في تنظيراتهم و خطبهم أنهم الأحق و الأصلح للإمساك بزمام السلطة، لأنهم يمتلكون الحلول لكل المشاكل التي تعصف بالمجتمعات، وأن أي نظام حكم لا يطبق الإسلام هو نظام جاهلي إن معظم الأقطار الإسلامية -إن لم نقل كلها- تحكم بأنظمة وضعية هي خليط من تشريعات رومانية و يونانية وفرنسية و غيرها، والنظم السائدة في هذه الأقطار هي الرأسمالية والاشتراكية، مما يجعل العمل لهدم هذه الكيانات الجاهلية و استئناف الحياة الإسلامية فيها فريضة عين على كل مسلم حتى تعود للإسلام القيادة والقوامة . إذن ما يطرحه الإسلاميون في العالم العربي واضح وجلي،انهم البديل السياسي لأنظمة الحكم على اختلاف مسمياتها و تصنيفاتها، حيث يتعاملون مع الأنظمة القومية على أنها وضعية و ينبغي هدمها وشطبها، لدرجة عقد الندوات والحلقات الأكاديمية على مستوى مفكرين إسلاميين والتقدم بأوراق عمل حول إصلاح الفكر الإسلامي لتهيئة الطريق أمام الوصول إلى الحكم وبناء النظم الإسلامية . أما على الصعيد الفلسطيني فان منظري حماس لا يؤكدون باستمرار في خطابهم السياسي والتنظيري أن أرض فلسطين وقف إسلامي على أجيال المسلمين إلى يوم القيامة لا يصح التفريط بها أو التنازل عنها، أو أي جزء منها . كما أن منظري الحركة الإسلامية في فلسطين يغلبون في عملية الصراع الدائرة مع المحتلين العامل الديني على العاملين الوطني والقومي، و يوجهون لومهم للعلمانيين الذين يبرزون العامل القومي في عملية الصراع ويتناسى دعاة العلمانية الذين يسقطون من حسابهم العامل الديني في قضية فلسطين، أنها القضية الوحيدة في العالم ، التي قامت منذ ثلاثين قرنا، ومازالت تقوم على أسس دينية روحية... و أن قضية فلسطين لا تعالج إلا على أساس ديني . لكن الخطاب السياسي و تعاطي حركة حماس مع القضية الوطنية شهدت تطورات واضحة في السنوات الأخيرة يجب عدم إغفالها لأهميتها، فهي مثلا في الانتفاضة الحالية قد خطت خطوات حثيثة باتجاه التعاون والتنسيق مع القوى الوطنية بما فيها القومية والعلمانية، بل انها إندرجت مع هذه القوى في إطار جمع ممثلين عن القوى الوطنية والإسلامية القيادة الانتفاضة على عكس الانتفاضة الأولى حيث حكم علاقتها مع القوى الوطنية المواجهة و التنافس في تثبيت من هو الأقوى و الأكثر فعالية في الساحة، و من هو القادر على أن يقودها بمعزل عن الآخر. وقد جاء ذلك جراء إدراك حماس لخصوصيتها الفلسطينية ووعيها بأنها تختلف في عدة زوايا عن أي حركة إسلامية أخرى تعمل لقيام مجتمع إسلامي، قد بلور لدى حماس خطابا وطنيا يعكس تطورها الذي ظهر بالانتقال من خطاب إسلامي يكتسب طابع العموم إلى خطاب أكثر تفصيلا، موجها بالدرجة الأولى للفلسطينيين . أخذت حماس ونتيجة تفاعلاتها مع تعقيدات المسألة الفلسطينية و تعدد القوى العاملة على الساحة ووجود السلطة الفلسطينية، أخذت تتعامل مع إقامة الدولة الإسلامية على أنه سابق لأوانه في المنظور القريب، فحركة حماس، حركة مقاومة، و إذا ما أتيح لهذه المقاومة تحقيق هدفها، وهو تحرير فلسطين فبعد مرحلة التحرر تأتي مرحلة إقامة الدولة، فإذا كانت حماس هي التي قادت الشعب الفلسطيني نحو التحرر، فمن حقها أن تتبنى نموذج الحكم الذي تؤمن به، وإذا كانت أقلية فستستخدم خيار الأغلبية . كان هذا الاستعراض ضروريا لشرح و تبيان كيف تتعاطى الحركات الإسلامية مع المسألة القومية، وكيف تنظر للانتماء الإسلامي، وأين يقع القومي في اجندتها، وذلك لتشكيل مدخل لدراسة الحركة الإسلامية في مناطق 48، وكيف تنظر للأقلية، وفي أي إطار تصنفها، نظرا لأن الحركة الإسلامية في مناطق 48 تتأثر بل و تستند لنفس الأرضية الفكرية. فرغم خصوصية هذه الحركة و الظروف المجافية التي تعمل فيها، واستهدافها المباشر واليومي من السلطة، إلا ان تفاعلها و تأثرها بما يجري على الساحات الفلسطينية و العربية الإسلامية ، يجعل إمكانية فصلها عن الساحات الثلاث ضربا من ضروب المستحيل أو فصلا تعسفيا يشطب العلاقة التفاعلية للجزء مع الكل. وغني عن القول، ان جميع من درس وبحث في بروز ظاهرة الحركة الإسلامية في مناطق 48 قد أعطى مساحة واسعة لتأثر رموز هذه الحركة بطروحات و نشاطات و مناخات الحركة الإسلامية في الضفة و القطاع إذ من المتعذر تماما فهم ظاهرة الإسلام السياسي في أوساط المجتمع العربي في إسرائيل، من دون فهم اللقاء مع الإسلام الشعبي أو إسلام المؤسسة في المناطق المحتلة، ولقد عاش المجتمع العربي في أجواء إسلامية تقليدية، لكن لم تقم بين المسلمين في الداخل مؤسسة إسلامية مستقلة، ولا كأقلية إسلامية، ولا منظمات سياسية حتى نضوج اللقاء بين مسلمي الضفة و القطاع وتبدو مهمة الحركة الإسلامية في مناطق 48 شديدة التعقيد و الحساسية، وبحاجة إلى حسابات دقيقة ،فهي تعمل في دولة يهودية، ومع ذلك فالتشوش و الاضطراب يظهر في مواقف و تكتيكات الحركة جليا مثل انتخابات الكنيست، وكذلك كيفية التعامل مع القوى و الأحزاب اليهودية، فهي تعيش تناقضا صارخاً، فمن جهة هي مضطرة لنسج برامجها و توجهاتها و تحالفاتها في واقع تصوغه وتحكمه سلطة إسرائيلية (خليط بين مفاهيم دينية و علمانية)، ومن جهة ثانية فإنها مضطرة للإمساك بطروحاتها و تثبيتها كي لا يمس بها الواقع المركب الذي تحكمه وتؤثر فيه سلطة غير إسلامية، إلى جانب سعيها المستمر للإبقاء على تفاعل نشط مع العالمين العربي و الإسلامي، خاصة و أن ظاهرة التيار الإسلامي في ظروف المواجهة الإسرائيلية لا تفهم إلا بالأخذ بطرفي المعادلة، أي التفاعل الحضاري و السياسي والنفسي مع السياق العربي و الإسلامي، ثم خصوصية الظواهر التي ينتجها هذا التفاعل في السياق المحلي: ظروف الأقلية، المواطنة الإسرائيلية، ثقافة القرية وغياب المدينة.... الخ . وإشكالية الحركة الإسلامية في مناطق 48 أنها افتقدت إلى تراث حركي إسلامي في الواقع الذي انبثقت منه، لكن الإشكالية لم تتوقف عند هذا الحد، أي عند غياب عمق فكر سياسي حركي تسترشد به، بل افتقدت إلى آفاق مثل هذا العمق بمجرد قبول التنظيم الإسلامي سياسيا على الخارطة السياسية وضمن شروط اللعبة الديمقراطية المبتوره، فحركة إسلامية قانونية في إسرائيل لا بد أن تسلم بأن لا مجال لقيام نظام إسلامي في هذه الدولة .
ولعل تشتت الطرح القومي لدى الحركة الإسلامية في مناطق 48، ينبع أصلاً من تحديات فكرية أيديولوجية، ومن تعقيدات واقع هذه الحركة، رغم أن هذا الطرح لم يغب تماماً عن طروحاتها، لكنه عندما يكون له حضوره، يأتي ، ضبابيا، أو مضمنا و تابعا لطرح الأمة الإسلامية. فالحركة الإسلامية في مناطق 48 لا تطرح علانية، أنها تهدف إلى إقامة دولة إسلامية، نظرا للتحديات التي تحيط بظروف عملها، غير أن الحركة تعتبر نفسها جزءً لا يتجزأ من عالم إسلامي، بمعنى أنها ترى مستقبلها بعيد المدى في الإطار الإسلامي الكبير، حيث يقول الشيخ رائد صلاح، رئيس الحركة نحن جزء من عالم عربي إسلامي يبلغ تعداده ملياراً و نصف المليار . والحقيقة أن خصوصية الواقع الذي تعمل فيه الحركة الإسلامية و التحديات الجسام التي تواجه الجماهير الفلسطينية ، وبالتالي الأحزاب والقوى العاملة في مناطق 48، جعلت الحركة الإسلامية تطور من خطابها وتخفض من حدة هذه الحواجز بينها وبين القوى، بل ولتزيل بعض هذه الحواجز في مناسبات كثيرة، فعلى خلفية الهجمة السلطوية على الحركة وبروز دعوات إخراجها على القانون فقد كتب الشيخ كمال الخطيب، نائب رئيس الحركة معلقاً على الميثاق الاجتماعي الذي طرحته الحركة إننا في الحركة الإسلامية كذلك نؤمن بالتعددية الفكرية والحزبية واقعا، وان كنا لا نقتنع بكل ما تطرحه تلك الأفكار و الأحزاب، ونعمل من خلال القواسم المشتركة، رافضين من هؤلاء من يجعل الحق كله عنده.... . عندما اشتدت الهجمة السلطوية على الحركة في عام 1999 في أعقاب عمليتي طبريا وحيفا الإستشهاديتين ، حيث ربط التلفزيون الإسرائيلي بين أحداث الروحة و و العمليتين ، إنبرى عدد من الكتاب و المحللين يدافعون عن الحركة و ينددون بالهجمة عليها إن التصدي للتهمة الجارفة ضد الحركة الإسلامية ليس واجب الحركة وحدها، والخلاف السياسي لأي طرف مع الحركة لا بد أن يصمت تجاه الهجوم السلطوي على حقها بالوجود . في المقابل، فان هناك من حمل على الخطاب السياسي للحركة المستمد من الخطاب السياسي و الإيديولوجي للحركات الإسلامية، و الذي يتعارض مع الخطاب القومي، خاصة وأن هناك أزمة للخطاب القومي يستغلها التيار الديني الأصولي، ولأول مرة منذ نصف قرن، نلاحظ التيار الديني يشن حملة فكرية ضد الفكرة القومية بشكل عام بوصفها فكرة علمانية أو مستوردة من الغرب المعادي ، مع أن هناك مبالغة في الطرح، فالهجوم على القومية العربية من قبل الحركات الإسلامية الدينية لم يظهر مؤخرا، ولم يكن موقف هذه الحركات حيادياً من الطروحات القومية على مدى نصف القرن الماضي، بل أن القضية شهدت فترات من التصعيد والهجوم. والشيخ رائد صلاح يذهب أبعد مما ذهب إليه بعض منظري الحركات الإسلامية ، الذين رأوا في القومية العربية طرحا مستورداً وخارجا عن المفاهيم و الأفكار الإسلامية، عندما حاول إثبات أن القومية مضمنة تلقائيا في الفكر الإسلامي، حيث رأى أن الفضاء الإسلامي بموروثاته استوعب كل التوجهات وأن من ينادون بالتوجه القومي لا يمكنهم الانطلاق من غير الفضاء الإسلامي . ويبقى طرح رائد صلاح مختلفا هنا، وهو في مقالات كثيرة في صوت الحق والحرية ، يعود ويعطي الأولوية للأمة الإسلامية و يهمِّش من موضوع الطرح القومي، لأن القاعدة العامة لدى الحركات الإسلامية تنطلق من أن الإسلام لا يعترف بالقومية وهو يرى أن الأمة الإسلامية هي الإطار الجامع لكل المسلمين بصرف النظر عن اللون والجنس، مع أن التدين السياسي كما هي الحركات العلمانية نتاج لعملية واحدة، هي عملية العلمنة، ولكنها تستخدم مفاهيم ومصطلحات متناقضة، فالأولى تحاول إخضاع السياسة للمفاهيم والقيم الدينية ... والصراع ما بين السلفية الإسلامية والقومية العربية مثالا لذلك، فقد نشأ مفهوم الأمة العربية أصلا من رحم الصراع مع مفهوم الأمة الإسلامية، و لا تسمح السلفية الدينية بتقديس مصطلحات دنيوية و تعتبر هذا التقديس ضرباً من ضروب الزندقة و الإلحاد . أصبحت هذه المحددات النظرية وجهاً إلى وجه أمام مقتضيات الواقع وجسامة التحديات في الضفة والقطاع، وفي مناطق 48. فالاستهدافية العالية لهذه الحركات جعلتها تخفف من تشددها ومن حجم تناقضاتها مع القوى الأخرى، ففي مناطق 48 و فيما عدا نقاشات ومناوشات حادة، لم تدخل الحركة الإسلامية في ظروف المجتمع العربي في إسرائيل، في صراع دموي مع الحركة الوطنية أو التيار القومي، ومازالت تتجنب الإدلاء بموقفها الصريح من جمال عبد الناصر أو من القومية العربية على المنابر العامة وفي إطار التشويش فيما يتعلق بالمسألة القومية، وفي المؤتمر السادس للحركة الإسلامية الذي أعيد فيه انتخاب الشيخ رائد صلاح رئيسا للحركة و الشيخ كمال خطيب نائبا له، استعمل رائد صلاح عندما تحدث عن علاقة الحركة بالقوى والأحزاب جملة علاقة الحركة الإسلامية مع كافة أطياف الصحوة الإسلامية في بلادنا . وإذا أردنا تحليل هذا التوصيف ، فان أي حزب علماني أو قومي، من الممكن أن يكون مدرجا في تصنيف الشيخ صلاح، خارج إطار أطياف الصحوة الإسلامية. والحقيقة أن الأمثلة على ضبابية التعاطي مع المسألة القومية لدى الحركة الإسلامية في مناطق 48 كثيرة ، و يسهل اكتشافها و تحديدها حتى لو استعرضنا عددا واحدا من أعداد صوت الحق والحرية ، أو من أي نشرة من النشرات الدورية أو غير الدورية التي تصدرها الحركة، أو مركز الأبحاث التابع لها.
الأقلية العربية في قاع السلم الاجتماعي
يتكون المجتمع الإسرائيلي من أغلبية يهودية، فبالإضافة إلى التقسيم التقليدي المعروف لسكان إسرائيل لجماعتين قوميتين، فان كل جماعة قومية يمكن تقسيمها إلى عدد من الجماعات. وينقسم اليهود إلى عدد من الجماعات حسب المنطقة أو البلد أو القارة التي ُأستجلبوا منها، وتتباين أوضاع الجماعات التي تندرج في إطار القومية اليهودية في المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية، إذ يرتقي اليهود الغربيون أعلى السلم، أما اليهود الشرقيون فانهم ينحدرون إلى مرتبة متدنية، لكنها بالطبع أعلى من الأقلية العربية التي هي في القاع. وهناك من يصنف مراتبياً الفروع المندرجة عن الاثنية اليهودية الكبرى على النحو التالي: أ- مواليد بلد غربيون أو من أصل غربي، وتشمل هذه الشريحة مواليد البلد لآباء من مواليد أوروبا و أمريكا، ب- مهاجرون غربيون وهم من مواليد أوروبا وأمريكا، ج- أبناء بلد، هم مواليد البلد لآباء من مواليد البلد، د- مواليد بلد شرقيون أو من أصل شرقي، وهم مواليد البلد لآباء من مواليد آسيا و إفريقيا، هـ- مهاجرون شرقيون من مواليد آسيا و إفريقيا ،وبعد ذلك يأتي تصنيف الأقلية العربية التي الفجوة واسعة بينها وبين مرتبة هـ في التصنيف سابق الذكر. تدرك كل القوى السياسية و الفعاليات الاجتماعية والثقافية و الأكاديمية العاملة في أواسط الأقلية العربية في مناطق 48، تدرك أي ظلم تاريخي لحق بها و أي سياسة تمييزيه متبعة ضدها، لدرجة أن مطلب المساواة أصبح بندا ثابتا في برامج و توجهات هذه القوى والفعاليات. ومن يتابع ما صدر ويصدر عن الحركة الإسلامية يجدها هي الأخرى مهتمة بأوضاع الأقلية العربية، إذ تتهم حكام إسرائيل بأنهم تسببوا تاريخياً في مأساة هذه الأقلية ، بل أن سياستهم و مخططاتهم ما انفكت تضطهد الأقلية العربية و تستثنيها و تهمشها لتظل ضعيفة ومفككة وغير مؤثرة. يقول الشيخ رائد صلاح: إن تجاربنا المكتسبة كحركة إسلامية خلصت إلى أن إسرائيل -كدولة- لا يمكنها أن ترتقي في تعاملها مع المواطنين العرب عامة، فهي لا تقدم أي حلول لهذا –الوسط- الذي لم يترك وسيلة أو طرحا إلا و عرضه على الحكومات بدأً من التعاون في بداية الحكم العسكري و انتهاءً بطرح المساواة . وحول المهام التي أخذتها على عاتقها الحركة الإسلامية تجاه الأقلية العربية ابتداءً من الخدماتي وصولاً إلى المهام العقلية و المقصود بذلك التعبئة والتوجيه من خلال العقيدة الإسلامية، حول ذلك يوضح الشيخ رائد صلاح : ان الحركة تؤمن بضرورة بناء مؤسسي للوسط العربي، بناء مبني على حسها التجريبي المناضل في واقع الحياة، مؤسسات تهتم بالمواطنين العرب وتمثل قاعدة أولية صلبة لاستغلال ذاتي يبدأ في اللقمة وينتهي بالعقل، وهي في هذا الاختصاص تكرس الذات العربية لحفظ هويتنا ونظرا لنشاط الحركة الإسلامية الدؤوب، فطالما اتهمها حكام إسرائيل بإقامة صلات مع القوى و التنظيمات الدينية في الضفة والقطاع، وهذه التهمة المقصود بها بشكل أساسي جناح الشيخ رائد صلاح ، حيث شنت الأجهزة الرسمية على هذا الجناح حملات تحريض بذريعة ان نشاطه في أواسط الأقلية العربية غير مشروع، وأن جناح الشيخ رائد صلاح يشكل خطرا على الدولة.
وبعد كل عملية فدائية تقوم بها حركة حماس أو الجهاد، كان الإعلام الإسرائيلي يسارع في كيل التهم للحركة الإسلامية، رابطاً ما بينها وبين الحركتين المذكورتين. مقابل ذلك إنبرى عدد من الكتاب والإعلاميين وحتى من ممثلي القوى للدفاع عن الحركة، وكان بينهم ، صحفيون محسوبون على اليسار أو الاتجاه القومي، وذهب بعض الكتاب إلى اعتبار أن الربط بين العمليات الاستشهادية و بين أحداث الروحة ما هو إلا محاولة لدق إسفين و سلخ مصطنع بين الجماهير العربية كمجموعة وبين الحركة الإسلامية و محاولة الطعن في شرعيتها كمقدمة لضرب بنيتها التنظيمية و الجماهيرية، وأن التصدي للتهمة الجارفة ضد الحركة الإسلامية ليس واجب الحركة الإسلامية وحدها ويتباين الموقف من الأقلية القومية العربية بين جناحي الحركة الإسلامية، فبينما جناح الشيخ عبد الله نمر درويش مؤسس الحركة يدعو إلى المساواة و الاندماج في مؤسسات الدولة و العمل بروح القانون، فان جناح الشيخ رائد صلاح يتعامل مع الدولة بشكل انتقائي، ففي بعض الجوانب لا يرى في الدولة اليهودية دولته، وفي جوانب الميزانيات و البلديات يتعامل معها كحقوق يجب الحصول عليها. لكن من يرفعون الشعار القومي أو اليساري بدأوا يوضحون خطابهم و شعاراتهم بشكل أكثر تحديدا من الحركة الإسلامية، فها هو د. عزمي بشارة، رئيس التجمع الديمقراطي يقول في مقابلة مع جروزلم بوست إن هدفي هو دولة لكل مواطنيها، استقلال ذاتي ثقافي، وبدون هذا فان الأمور سوف تؤول إلى المطالبة بتحرير المقاطعات و دمجها في وحدة طبيعية ستقود إلى صدامات، لكن إذا ما تجذر الحكم الذاتي الثقافي في دولة لكل مواطنيها فانه سيكون أساساً للإندماج .
ان طروحات بشارة كما هي طروحات الشيخ رائد صلاح الذي يتعامل مع الدولة بانتقائية، وكما هو حال طروحات الشيخ عبد الله نمر درويش كلها مرفوضة رسميا وفي أوساط معظم المثقفين و الأكاديميين اليهود، من باب أن استقلال الأقلية العربية تحت أي عنوان يضعف الدولة. و المسألة هنا ليست مرتبطة فقط برفض المثقفين و الأكاديميين اليهود و كذلك الرسميين لما يطرحه رموز القوى و الفعاليات و الأحزاب العربية، وانما هناك قطاع واسع من المتطرفين المتعصبين اليهود غير مستعد حتى لسماع كلمة مساواة، يقول أوري ايلتسور –رئيس مجلة نيكودا الناطقة بلسان المستوطنين-: أنا لا أريد في الحقيقة إقامة علاقات بين الشعبين تقوم على المساواة، لا أريد أن أرى سوى أمة واحدة في المنطقة الواقعة بين النهر والبحر . وأمام هذا الواقع تكثف الحركة الإسلامية نشاطها للحيلولة دون طمس تراث وثقافة الأقلية العربية المستندة بشكل أساسي إلى الدين الإسلامي، الذي تعتبره الحركة المنبع الثقافي، في المنطقتين العربية و الإسلامية، ويرى الشيخ رائد صلاح أن الهم الأساسي يتمثل في الذود عن الشخصية العربية و حمايتها ثقافيا و اجتماعيا وفكريا، وذلك بعمل البرامج والخطط المضادة لتلك التي تستهدف وجود وهوية الأقلية العربية، كي يتسنى لهذه الأقلية العيش و الاستمرار وفق خصوصيتها . ويعتبر الشيخ إبراهيم صرصور، رئيس الحركة الإسلامية في مناطق 48 ( المقصود أحد جناحي الحركة ) ،أن المواطنين الفلسطينيين يشكلون خمس التعداد السكاني لإسرائيل، وهم حقيقة واقعة فرضت وجودها على إسرائيل، ويرى الشيخ صرصور أن أهم القضايا التي تواجه الفلسطينيين في مناطق 48، أن إسرائيل تتنكر لهم كمجموعة قومية لها حقوقها، إذ ما زالت إسرائيل في قوانينها تصر على أن اليهود هم المجموعة الوحيدة التي تتمتع بهذا الموقع كمجموعة قومية . ومن القضايا التي تعتبرها الحركة الإسلامية مساً مباشرا بجذور وهوية وتاريخ الأقلية الفلسطينية في مناطق 48، تدمير المساجد والمقابر والمقدسات وتحويل بعضها إلى متاجر أو حانات، وقد أصدرت الحركة عدداً من النشرات والأبحاث حول المس بالمساجد والمقدسات حيث أبرزت دلالات ذلك، مؤكدة بأنه اعتداء مبرمج و ممنهج على التاريخ والماضي، لقطع الحاضر عن الماضي. لاشيء ينجو من التمييز ضد المواطن الفلسطيني في مناطق 48 الذي يندرج في إطار أقلية مستهدفة، وان التعليم لا يخرج من دائرة الاستهداف، بل هو في مركزها، فهناك بون شاسع بين مستوى المدارس في القرى و البلدات العربية، وبين تلك التي يتعلم فيها اليهود، وهناك بون شاسع بين ما تحتويه المدارس العربية، وبين ما تحتويه المدارس اليهودية من مكتبات و مستلزمات تعليمية متطورة وتجهيزات صحية و رياضية، إذ طالما تم استغلال جهاز التعليم في إسرائيل من أجل ترسيخ الهوة و الفوارق بين الأكثرية اليهودية والأقلية العربية الفلسطينية والحركة الإسلامية كبقية القوى والفعاليات الفلسطينية في مناطق 48 أدركت حجم المعضلة التي يعيشها المواطن العربي ووضعت برامجها و تصوراتها انطلاقا من ذلك، فهي و الحالة هذه، تضمن لنفسها التواصل مع الوسط المحتاج لخدماتها و التأثير فيه أيديولوجيا و كسبه بالتالي سياسياً و اجتماعياً، من هنا يرى صقر أبو صعلوك من الحركة الإسلامية و الناطق الإعلامي باسم مهرجان الرباط: أن الواقع المأساوي الذي يعيشه المواطنون العرب يتطلب قوى وفعاليات على قدر كبير من المسؤولية، تنبري لمساعدة و خدمة هذا المواطن ، وأن لا تقف على الرصيف ترثي حاله، فالمواطن هنا يحتاج إلى خدماتك و يتلمس وجودك من خلال ما تعطيه وبناءً على ما تقدم ، ليس غريبا أن نجد في معظم المقابلات الخاصة بواقع الأقلية العربية التي تُجرى مع أقطاب الحركة الإسلامية بجناحيها، ليس غريبا أن يتطرقوا و بشكل مسهب إلى الخدمات التي تقوم بها الحركة الإسلامية للمواطنين في المرافق الاجتماعية و الرياضية ورياض الأطفال و الحضانات والمدارس والجمعيات ولجان التكافل الاجتماعي و الأندية. فهي خدمات ينظر إليها من باب أنها جسر قوي متين يمتد ما بين الحركة و المواطن، يزداد قوة كلما زاد و اتسع حجم الخدمات المقدمة لهذا المواطن.
24 أحداث تشرين أول أكتوبر عام 2000 المنعطف ...... الدلالات لا يمكن النظر لأحداث أيلول أكتوبر الدموية عام 2000 بمعزل عن الواقع الذي تعيشه الأقلية العربية الفلسطينية ، و لا بمعزل عن سياق طويل من الصراع، من أجل البقاء و الاستمرار، مقابل كم كبير من المخططات و البرامج التي استهدفت هذه الأقلية، فكرا وثقافة و سياسة و انتماءً و طموحات. لقد تعاملت الحركة الصهيونية مع العرب في فلسطين كأناس عديمي الحيلة، قبليين، أسرى للتخلف، ونظر المهاجرون الأوائل للعرب بفوقية و استعلاء و رأوا انهم سيحررون العرب من تخلفهم الاجتماعي و تفككهم، واعتبروا أن تحسن الوضع الاقتصادي للعرب، لا يتم من خلال المجتمع العربي، وانما يتم فرضه من قبل النخبة اليهودية الحديثة التي من المفروض أن تكون النخبة المسيطرة . و هاهو قد مضى –حتى أحداث أكتوبر عام 2000 - اثنان وخمسون عاما على تأسيس و فرض إسرائيل، والحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بصرف النظر عن مسمياتها تتعامل مع الأقلية العربية ، على أنها بلا قدرات، محدودة الإبداع والتأثير، تعيش على هامش حياة المجتمع، وكأن هذه الأقلية هي التي اختارت ذلك، ولم تُكره إكراها وبكل الوسائل على أن تظل قابعة في قاع السلم الاجتماعي، ليس هذا فحسب، بل أن الحكومات المتعاقبة ما انفكت تتعاطى مع الأقلية بريبة و شك و بعقلية استخباراتية، وان دعوات طرد الأقلية خارج البلاد لم تتوقف، وان النقاشات التي شهدتها مؤتمرات يهودية أكاديمية وبحثية في السنتين الأخيرتين، لم تغب عنها احتمالات اللجوء لسياسة الطرد و الترحيل كأحد الاحتمالات المستقبلة ،و لهذه الطروحات العنصرية الإجلائية أرضية قديمة حديثة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر ما تقدم به يوسف شابيرا (الوزير بلا حقيبة)،في أواخر تشرين الأول عام 87 باقتراح علني يدعو فيه إلى إجلاء فلسطينيين 48 عن طريق دفع عشرين ألف دولار أمريكي لكل واحد مقابل المغادرة النهائية ، و ما هذا الطرح إلا أحد النماذج على طروحات اجلائية ترحيلية عديدة، أخذ يتردد صداها مؤخراً بقوة في أوساط يهودية سياسية و أكاديمية. إن سياسة القمع وقتل المواطنين بدم بارد في أكتوبر عام 2000 ، وقمع مسيرات ومظاهرات التضامن، أكدت أن السنوات تمضي لكن الفكر الإسرائيلي يتوقف و يتجمد في إطار مقولب، عندما يتعلق الأمر بالأقلية العربية، الا وهو القمع و التنكيل كما حدث في محطات عديدة . هناك من السياسيين و الباحثين الفلسطينيين في مناطق 48 من اعتبر أن ما جرى هو تضامن مع الأهل في الضفة والقطاع، بحيث لم يكن بمقدور المواطنيين مشاهدة ما يجري دون أن يحركوا ساكنا، و بعض أخر رأى أن ما حدث عبارة عن تضامن في الشكل، أما في جوهره فهو رد فعل طبيعي على الواقع التمييزي و على تراجع أوضاع الأقلية العربية في السنوات الأخيرة، خاصة على الصعيد الاقتصادي، فالتراكم هنا قد فعل فعله ولم تتفجر هذه الهبة الوطنية في لحظة غضب، أو في موجة تضامن، فقد سبقها فعل تراكمي يعاد فيه ترميم ما هدمته عملية الأسرلة من هوية المواطنين العرب الوطنية. وقد تجلى ذلك مؤخرا في الامتناع عن التزين بالأعلام الإسرائيلية في يوم الاستقلال، وفي إحياء ذكرى النكبة .... إن الكيفية التي تعاملت معها حكومة إسرائيل مع الأقلية القومية العربية خلال عمليات التضامن مع إخوانهم في الانتفاضة الأولى، وكيفية تشخيصها و تحليلها لحركة التضامن، تفسر أية عقلية هي العقلية الرسمية، و تجعل ما حدث في أكتوبر عام 2000 مفهوما إذا وضعناه في الإطار التحريضي. ففي بداية انتفاضة عام 87 عندما عبر المواطنون العرب عن تضامنهم مع إخوانهم في الأرض المحتلة، حذر رئيس دولة إسرائيل حاييم هيرتسوغ عرب إسرائيل من فصل آخر في المأساة الفلسطينية، وهو تهديد ضمني بطردهم. أما اسحق رابين فحذر بدوره العرب في إسرائيل حينما خاطبهم قائلا لقد عرفتم المأساة في الماضي البعيد و سيكون من الأفضل لكم عدم العودة إلى تلك المأساة أما الأحزاب والقوى العربية في مناطق 48فقد تعاملت مع أحداث أكتوبر على أساس أن إسرائيل بأجهزتها المختلفة يحكمها مع العرب (منطق) القمع و التنكيل، لكن تحليل الأبعاد و الظروف و الانعكاسات، إضافة إلى استنباط الدروس و العبر، قد اختلفت من حزب و تجمع إلى آخر، انطلاقا من الأيديولوجية و البرنامج السياسي و الفهم و المستوى التحليلي عند النخبة، وحسب القرب والبعد من المؤسسة الرسمية. وبما أن بحثنا متخصص في الحركة الإسلامية و رؤياها ،فمن الطبيعي أن يكون تركيزنا على تشخيص الحركة و تحليلها و استخلاصاتها. الحقيقة أن من يتابع تصريحات و كتابات رموز و مؤيدي الحركة الإسلامية خاصة جناح الشيخ رائد صلاح، يجد أنهم قد ابرزوا الاستهداف الذي تعرضت له الحركة على خلفية أحداث أكتوبر ، بل أن الكتابات و التصريحات لمحت، بل وأحيانا صرحت انها المستهدف رقم واحد، و تستند الحركة إلى حملة التحريض التي قامت بها أجهزة الحكومة ضدها و تحميلها الجزء الأكبر من المسؤولية عما حدث. وكانت (لجنة أور) وجهت تحذيرا لكل من الشيخ رائد صلاح و النائبين عزمي بشارة و عبد المالك دهامشة على دورهم في أحداث أكتوبر، حيث اعتبرت الحركة الإسلامية بأن اللجنة بهذا التحذير، تهدف إلى معاقبة الضحية، وقد شن قائد اللواء الشمالي اليك رون في شهادته أمام اللجنة حملة ضد الحركة الإسلامية، واصفا اياها بالمحرض على الأحداث.
وندد ممثلو القوى والفعاليات الوطنية بحملة التحريض الشرسة التي شنتها الحكومة الإسرائيلية ضد نشطاء ونواب عرب، واعتبر رجا اغبارية، أمين عام حركة أبناء البلد في مقابلة مع تلفزيون وطن المحلي: أن الهجوم على نواب و ممثلي الحركة الوطنية، واستهداف الحركة الإسلامية يعطي مؤشرات سيئة جدا على القادم و ما يعدونه للعرب من سياسات وتوجهات عنصرية إسرائيلية أما النائب عبد المالك دهامشة وهو نائب في الكنيست عن أحد جناحي أو اتجاهي الحركة الإسلامية، والذي تلقى تحذيرا من (لجنة أور)، فقد أكد أن التحريض عليه و زملائه يرمي إلى النيل من ممثلي الأقلية العربية، وتقييدهم بإجراءات و عراقيل كي لا يتمكنوا من القيام بواجبهم تجاه شعبهم. و لا يختلف تشخيص دهامشة للحملة على الحركة الإسلامية وباقي القوى عن عشرات المقالات و المقابلات و الأخبار و التحليلات التي أوردتها صحيفة (صوت الحق و الحرية) الناطقة باسم الحركة الإسلامية التي يرأسها الشيخ رائد صلاح، وذلك في أعدادها التي تلت أحداث أكتوبر وصولا إلى الأعداد الأخيرة في شهر 8/2002، أي الفترة التي نحن فيها بصدد إعداد هذا البحث، ولا يختلف أيضا عما أوردناه مما قاله الشيخ عبد الله نمر درويش مؤسس الحركة الإسلامية في مناطق 48 خلال حديثه لبرنامج فلسطين في التلفزيون اللبناني الجديد، حيث أوضح أن حكومة إسرائيل قمعت العرب و مست بهم وهي تمارس التحريض عليهم ولا تستثني أحدا من القوى والفعاليات الإسلامية والوطنية من أجل منع الجماهير العربية من التعبير عن الرأي و تجسيد المواقف النابعة من حسها الوطني والإسلامي ومنعها أيضا من التضامن مع أبناء الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع. رصدت الحركة انعكاسات أحداث أكتوبر على جميع الصعد، وسلطت الضوء على جوانب وتجليات تداعيات الأحداث، وتأثير ذلك على واقع الأقلية العربية، فاقتصاديا تابعت (صوت الحق والحرية) معلومات وبقليل من التحليل الأوضاع المعيشية للأقلية العربية و توجهات الحكومة بخصوص السياسة الاقتصادية تجاه العرب و مقاطعة الصحف العربية ومنع نشر البيانات و الإعلانات الحكومية فيها. كما أبرزت أعداد (صوت الحق والحرية) سياسة التضييق على الأقلية العربية، خاصة الاستمرار في مصادرة أرضهم و إقامة التجمعات السكانية اليهودية في الجليل والنقب. ، كما وتابعت هدم البيوت العربية ومنها هدم (35) بيتا مرة واحدة لأبناء عشيرة الطواري في النقب. و أبرزت (صوت الحق والحرية) تضييق الأجهزة الأمنية على حركة فعل و نشاط رموز الحركة الإسلامية مثل منع طلاب (التخنيون) من حضور محاضرة للشيخ كمال الخطيب. وأمام الهجمة على الأقلية العربية، شددت الحركة على ضرورة توطيد العلاقات وتقوية اللحمة الداخلية، وكثفت من برامجها الاجتماعية والإصلاحية، مثل برنامج أبناؤنا في خطر ، الموجه لفئة الشباب، تعبئةً و تثقيفاً، ندوات و معسكرات ولقاءات ، وإن كنا لا نسقط التوجهات الاستقطابية من وراء مثل هذه البرامج، خاصة في أوساط الشباب الذين توليهم الحركات الإسلامية اهتماما كبيراً لسهولة شدهم و استثمار حماسهم واندفاعهم. ولم تستثن الحركة الإسلامية من انعكاسات التضييق عليها من حيث التوقيت على الأقل قرار المجلس الوزاري المصغر، وقف بناء مسجد شهاب الدين، و رأت في القرار ضربا للوحدة الداخلية للأقلية العربية ، مع الإشارة إلى أن موضوع الخلاف على شهاب الدين و تشعباته كان قبل أحداث أكتوبر، علماً أن الحكومة و أحزابها حاولت اللعب على التناقضات و التجاذبات. ولم تقتصر متابعات الحركة الإسلامية على الجانبين السياسي و الاقتصادي بل تناولت ظواهر سلبية أخرى ليس بشكل تشخيصي، و إنما تحريضي، نظرا لإدراك الحركة لخطورتها، مثل ظاهرة انتساب أعضاء عرب إلى حزب الليكود، في الوقت الذي يقمع فيه هذا الحزب الحاكم الأقلية العربية في مناطق 48 و الجماهير الفلسطينية في الضفة والقطاع. وعلى خلفية ما تمارسه إسرائيل ضد المواطنين الفلسطينيين انتقدت الحركة بشدة قيام بعض الفضائيات العربية إعطاء مجال لمحلليين إسرائيليين و صحفيين في التلفاز و الراديو الرسميين لمخاطبة الجماهير العربية الواسعة من خلال هذه الفضائيات والدفاع عن سياسة الحكومة الموجهة ضد الفلسطينيين. وفي ظل تصاعد الهجمة، ظلت البرامج و التوجهات الإسلامية و العمل على جبهة الأوقاف و المقدسات و المقابر العنوان الأبرز لنشاط جناحي الحركة الإسلامية ، فجناح رائد صلاح عمل من خلال جمعية الأقصى لحماية ورعاية الأوقاف و المقدسات، ونشاطات و فعاليات هذه الجمعية حاضرة في معظم أعداد صوت الحق والحرية . وجناح الشيخ إبراهيم صرصور من خلال جمعية الأقصى لرعاية الأوقاف الإسلامية. إلى جانب أن الحركة بشقيها نظرت بخطورة بالغة الهجمة السلطوية التي استهدفت عضوية ودور كل من النائبين العربيين في الكنيست عزمي بشارة واحمد الطيبي . مما تقدم يتضح ان انعكاسات السياسة الإسرائيلية الرسمية و المؤسساتية على الأقلية العربية في مناطق 48 ، على خلفية أحداث أكتوبر، كان لها صداها لدى الحركة الإسلامية، وقد تناولتها الحركة وحرضت عليها، لأنها هي إحدى استهدافاتها. الخلاصـــة مزيج من الدغومائية و البرجماتية تتأرجح الحركة الإسلامية في نظرتها للأقلية القومية العربية ما بين تشدد الفكر والعقيدة، وما بين البرجماتية التي تمليها الظروف وطبيعة المنافسة القائمة بين الأحزاب والتيارات على كسب المؤيدين الأيديولوجيين أو السياسيين وكسب الأصوات الانتخابية للمجالس و الأندية والجمعيات، علاوة على انتخابات البرلمان بالنسبة للأحزاب والقوى التي تسعى للوصول إلى مقاعد الكنيست. ومن خلال ما ورد في سياق البحث ، يتضح أن الحركة الإسلامية تتفاعل مع الواقع كجسم حي، وتدرك مواقع ضعف الأقلية العربية، وتدرك ما تحتاج تماما، مثلما تعي مقدار حجم الهوة ما بين المستوى المعيشي للمواطن العربي والمواطن اليهودي. وتبني الحركة الإسلامية برامجها و خططها على أساس دراسة ملموسة لحاجة الأقلية لأمور تمس الحياة اليومية، والتي بموجبها تقدم خدماتها، وهي بذلك تزيد من قاعدة مؤيديها يوما بعد آخر،لكن المعضلة أو المأزق الذي تعيشه الحركة الإسلامية بشقيها، أنها موجودة في دولة ليست عربية وليست إسلامية، بل أن الدين السائد فيها هو دين غير الدين الإسلامي، وبالتالي فان رفع شعار أسلمة الدولة أو أسلمة نظام الحكم يرتطم بحائط الواقع، كما أن توجهات أسلمة الأقلية التي تتبناها الحركة غير واردة، نظرا لتوزع تأييد هذه الأقلية على عدد من الأحزاب، و لأن نسبة منها تدين بالمسيحية، إلى جانب أن نسبة لا بأس بها من الذين لا يؤيدون أحزابا أو قوى معينة يميلون إلى العلمنة و العصرية.
31 أجل لقد حققت الحركة الإسلامية في مناطق 48 مجموعة من الإنجازات في العقدين الأخيرين على صعيد توسيع قاعدتها الجماهيرية، واقامة عدد من المؤسسات الدينية و الخدماتية المرتبطة بها، إلا أن معضلات كثيرة ما زالت تعترض طريقها منها ذاتية و أخرى موضوعية :- ذاتية بسبب الانقسامات في الحركة و الخلط في المفاهيم و إشكالية ترتيب الأولويات و المراتب ما بين إسلامي و فلسطيني وقومي عربي ومواطن إسرائيلي. هذا الخلط الذي لا يجد الباحث كثيرا من العناء لاكتشافه في الخطاب السياسي و الاجتماعي لرموز الحركة. وموضوعية تتمثل في طبيعة الدولة وتصنيفها لنفسها، و تصنيفها للأقلية العربية فيها، و إشكالية الإسلامي في وضع يعصف به التناقض و اللاتجانس. ولعل الإشكالية المركبة بين الذاتي والموضوعي التي تعتري عمل الحركة الإسلامية وتنعكس على تفاعلها مع وسطها (الأقلية العربية) أن الحركة ما تزال تقاوم الاعتراف لذاتها وللآخرين، بأنها حزب سياسي مثل بقية الأحزاب، وأن أصول العمل السياسي تتطلب احترام قواعد أساسية في التعامل، مثل عدم استخدام العنف و التلويح باستخدامه و تحريم استخدام الحجة الطائفية في النقاش في أوساط شعب متعدد الطوائف، وعدم احتكار التحدث باسم الدين، فهنالك متدينون في الأحزاب كافة وليس فقط في الحركة الإسلامية 59 كما أن موقف الحركة من المرأة و العمل و التعليم المختلط، يجد معارضة شديدة في أوساط نسبة كبيرة من أبناء الأقلية العربية التي هي مفتوحة أيضا على الحضارات و العالم إذ لا تقبل الأغلبية الساحقة من الأقلية القومية العربية اعتبار إطار مرجعي مثل الأمة الإسلامية فوق الانتماء القومي و الادعاء مرارا و تكرارا، أن المشترك بين المسلم في بلادنا وذلك الذي في ماليزيا و إندونيسيا هو أسمى و أهم من المشترك في بلادنا بين المسلم العربي و المسيحي العربي..... 60 وعود إلى فرضية البحث، فان ما جاء في الاستشهادات و الآراء و تحليل المعطيات التي وردت في سياق معالجتنا لعناوين وحيثيات البحث تؤكد الفرضية المطروحة، فصحيح أن الحركة الإسلامية في مناطق 48 درست الواقع و استطاعت التعرف على متغيرات كثيرة، إلا أن دراستها جاءت ناقصة، وان معالجتها لواقع ديناميكي متغير مفتوح على العالم والتكنولوجيا تقيدت في أساليب و مناهج قديمه،مما أثر في المحصلة النهائية على تشخيص الأقلية العربية و تحديد ماهيتها و على أسلوب و منهجية التعامل معها، بتغليبها الإسلامي في التعامل والتصنيف على القومي و ربما قبل ذلك على الوطني، الأمر الذي يكون على حساب الخاص الفلسطيني والعربي الذي تشكل على أساس تاريخي و ثقافي ونفسي، و هذا سيضع مزيدا من المعوقات و الإشكاليات و المعضلات في العلاقة الاستراتيجية بين الحركة و الأقلية العربية بطوائفها و تصنيفاتها و اتجاهاتها ، خاصة التي لا تنسجم فكريا وسياسيا مع الحركة، علاوة على الإشكاليات القائمة و المرشحة للتفاقم والى حد كبير للصدام بين الحركة و الحكومة الإسرائيلية. أما بالنسبة لموقف الحركة مما حدث في أكتوبر 2000 ، وتداعيات ذلك، فان الحركة أعطت الأحداث جهدا كبيرا سياسيا و إعلاميا و تنظيميا، وتصدت للإجراءات الحكومية ورفضت الاتهامات الموجهة ضد الأقلية العربية بشكل عام، وضد الحركة بشكل خاص، إلا أن الجانب التحليلي المعمق قد غاب عن كتابات و تصريحات وبيانات الحركة. وبناءً على ذلك، فان الحركة كما القوى و الفعاليات الأخرى، من المستبعد أن تكون قد خرجت بدروس وعبر واستخلاصات سوف تدرجها في برامجها و خططها المستقبلية في إطار ما يخدم الأقلية العربية على المدى البعيد، وبخاصة وأن المعضلة الكبرى للقوى والفعاليات العربية الفلسطينية في مناطق 48 و في المناطق الفلسطينية، الوقوع في اسر دائرة ردود الفعل وليس صنع الفعل و استباق المخططات والبرامج المعادية وبالتالي إفشال ما يمكن إفشاله منها قبل أن تترسم على الأرض وتأخذ مداها.
33 المراجع
أولا: الكتب أشقر أحمد، التدمير الذاتي- الناصرة نموذجا (جذور الصراع و خفاياه في ساحة شهاب الدين)، ط 1، المشرق/العامل للدراسات الثقافية والتنموية، رام الله : 2000. الندوة الفكرية السياسية (خبرات الحركة السياسية الفلسطينية في القرن العشرين)، ط1، المركز القومي للدراسات والتوثيق و منتدى الفكر الديمقراطي الفلسطيني، غزة: 2000. التقرير السنوي لجمعية الأقصى لرعاية الأوقاف والمقدسات الإسلامية، الفرع الرئيسي، ط1، كفر برا: 2001. بشارة عزمي، الخطاب السياسي المبتور ودراسات أخرى، ط1، مواطن-المؤسسة الفلسطينية لدارسة الديمقراطية:1998 بشارة عزمي، مناع عادل، دوامة الدين والدولة في إسرائيل، ط2، دراسات المجتمع العربي في إسرائيل:1998 حيدر عزيز، الفلسطينيون في إسرائيل في ظل اتفاقية أوسلو، ط1، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت :1997 حيدر عزيز، خليفة أحمد و آخرون، دليل إسرائيل العام، ط 3، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت:1997 حنفي حسن، الدين والثورة في مصر (52-81)، ط 1، مكتبة مدبولي، القاهرة:1989 دومب ريزا، صورة العربي في الأدب اليهودي، ط1، دار الجليل للنشر، عمان:1985 34 عوني جابر طه ال، إصلاح الفكر الإسلامي بين القدرات والعقبات (ورقة عمل) ، ط 1، المعهد العالمي للفكر الإسلامي ، الولايات المتحدة:1991 عيد عبد الله أبو، قاسم عبد الستار – و آخرون، دراسة في الفكر السياسي لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) –1987-1996-، ط1، مركز دراسات الشرق الأوسط، عمان:1996 لوستك، ايان، الأصولية اليهودية في إسرائيل، ط1، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت:1991 محمد جبريل، نزال واصف، صباغ زهير ال، فلسطينيو 48 –نضال مستمر 1948-1988، ط1، مركز الزهراء للدراسات والأبحاث، القدس:1990 مصالحة نور الدين، أرض أكثر وعرب أقل (سياسة الترانسفير الإسرائيلية في التطبيق 1949-1996)، ط1 ، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت:1997 يكن فتحي، ماذا يعني انتمائي للإسلام، ط 24، مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت:1998.
ثانيا: مجلات السياسة الفلسطينية، العدد 11، مركز البحوث والدراسات الفلسطينية، نابلس:1996 الدراسات الفلسطينية، العدد 44، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت: خريف 2000 شؤون فلسطينية، عدد آذار: 1971
35 قضايا، العدد الثاني، القدس: شباط 1990 قضايا، العدد الرابع، القدس: آب 1990 قضايا، العدد السادس، القدس: شباط 1991 كنعان، العدد 85، مركز إحياء التراث العربي، الطيبة: نيسان 1997 كنعان، العدد 93، مركز إحياء التراث العربي، الطيبة، كانون الثاني 2002 ثالثا: الصحف الصنارة، عدد 10/9/1999 الصنارة، عدد 12/5/2000 جروزلم بوست، عدد 28/2/97 صوت الحق و الحرية، عدد 18/5/2001 صوت الحق والحرية، عدد 1/6/2001 صوت الحق والحرية، عدد 4/1/2002 صوت الحق والحرية، عدد 11/1/2002 صوت الحق والحرية، عدد 2/8/2002 فصل المقال، عدد 11/1/2002 رابعا- مقابلات تلفزيونية + للصحف صلاح رائد، برنامج خاص عن فلسطيني 48، تلفزيون وطن، بتاريخ 29/3/98 صعلوك صقر أبو، (مقابلة خاصة): تلفزيون وطن بتاريخ 3/5/2002 إغبارية رجا، (مقابلة): تلفزيون وطن بتاريخ 17/5/2002 درويش نمر عبد الله، (برنامج فلسطين) التلفزيون اللبناني الجديد، 15/7/2002
36 مقابلة (أجراها الصحفي خالد الفقيه) مع الشيخ إبراهيم صرصور رئيس أحد جناحي الحركة الإسلامية، أجريت المقابلة بتاريخ 16/7/2002 . خامسا: أفلام فيلم وثائقي من إعداد جمعية الأقصى لرعاية الأوقاف و المقدسات الإسلامية بإشراف الجمعية، إنتاج أواخر عام 2000 فيلم وثائقي حول معرض الأوقاف الإسلامية العربية، بإشراف الجمعية، إنتاج عام 2002
37
|