|
رام الله-27-4-2005-أي بي برس- يسعد أي بي برس أن تقدم لزائريها الكرام وللباحثين والمختصين هذا البحث تحت عنوان حرب تشرين عام 1973 جمعت بين التكنولوجيا و الروح الاقتحامية الذي يتناول فيه كاتبه الاديب والصحفي الباحث الفلسطيني المعروف حسن عبد الله حرب تشرين اكتوبر العام 1973 ، مستعرضا التحضيرات، الوقائع ، مستخلصا الدلالات، والنتائج، في محاولة علمية جادة للوصول إلى الانجازات العربية في هذه الحرب مع مقارنة بما حققه الاسرائيليون. وتناول الباحث التباين العسكري في الموقفين السوري والمصري واسبابه وما ادى اليه من تداعيات عسكرية وسياسية، ليتمكن العرب من استخلاص العبر والنتائج. و الباحث تناول كعادته في تركيز معمق النقاط المفصلية في هذه الحرب والجديد فيها مستعرضا الاطار الذي تعامل فيه العرب مع هذه الحرب. ويذكر أن الباحث متخصص في الشؤون الإسرائيلية وله العديد من الرسائل والمؤلفات والبحوث في الشان الإسرائيلي، لذا فان من الطبيعي أن يعتمد بعض المراجع الإسرائيلية لكي لا تتم معالجة القضايا مواضيع البحث وفق الرؤية العربية فقط، وذلك طبقا لمقتضيات البحث العلمي الجاد. أن هذا البحث المميز لا يستغني عنه أي باحث او سياسي اوصاحب قرار عربي يهمه التعرف على الرؤيا الإسرائيلية وكيفية تمكنها من توصيل توجهاتها وبخاصة الاعلامية إلى العالم وتسويقها على انها الحقيقة رغم ما فيها من زيف ومغالطات وخداع، وفي الجهة المقابلة فان الرؤيا العربية لا تتمكن أن تجد طريقها للوصول إلى العالم رغم ما تضمنه من حقائق وموضوعية ومصداقية. وفيما يلي البحث الذي تكرم الباحث الاستاذ حسن عبد الله وخص به أي بي برس :
حرب تشرين عام 1973 جمعت بين التكنولوجيا و الروح الاقتحامية
الصحفي حسن عبد الله عضو الهيئة الادارية لنقابة الصحفيين الفلسطينيين عضو اتحاد كتاب فلسطين
عبد الناصر يسابق الزمن في الإعداد للحرب
المقدمة : بدأ جمال عبد الناصر الإعداد لحرب تمحو آثار الهزيمة التي لحقت بالعرب عام 67 ، و تشكل مدخلاً لمرحلة مختلفة ، وعكف منذ الأسابيع الأُول للهزيمة على تجميع إمكانات مصر وتوجيهها في خدمة الإعداد لمعركة قادمة لا محالة ، فشرع أولاً في ترتيب و تهيئة الساحة المصرية عسكرياً وسياسياً و اقتصادياً، ثم انطلق لترتيب الأوضاع العربية لدعم بناء ليس القوات المصرية فحسب ، و إنما قوات دول المواجهة . و قد خاض عبد الناصر حرب الاستنزاف محاولاً تحقيق مجموعة من الأهداف ، سنأتي عليها في مكان آخر من هذا البحث ، و سعى و بشكل حثيث لتحديث جيشه و الارتقاء بتدريبه ، و كان يعد العدة لحرب مفصلية سيترتب عليها مصير المنطقة . و بعد وفاة عبد الناصر ، استمر السادات في إعداد الجيش ، لكنه ما انفك يعوّل على تحركات دبلوماسية ، و على مبادرات أطلق هو بعضها و أخرى جاءت من الولايات المتحدة ، دون أن تصدر عن القيادة الإسرائيلية أية مؤشرات تستجيب لتركيز السادات في خطابه السياسي و اتصالاته الدولية على تفضيله الحل الدبلوماسي . و كان لا بد من حرب أكتوبر 73 ،التي مازالت الآراء و التحليلات لنتائجها ،و بعض الأحداث التي أثرت في مجراها ،ما وزالت هذه التحليلات متباينة ، إضافة إلى أن النتائج التي أسفرت عنها قد اعتبرها المصريون و السوريون نصراً لهم ،فيما تشير معظم المراجع الإسرائيلية إلى أن الحرب تكللت بنصر عسكري إسرائيلي . في هذا البحث ، محاولة للإجابة عن بعض الأسئلة التي تثيرها قضايا هامة متعلقة بالحرب ، كالاستعداد لها و ظروف مفاجأة الإسرائيليين بها ، وكذلك سيرها ،و كيفية أداء الجيوش المصرية والسورية و الإسرائيلية ، و ما آلت إليه الحرب،و تحليل المعطيات بغية الوصول إلى نتيجة . الفرضية التي يقوم عليها هذا البحث ، أن السادات كان يقاتل في الميدان و عينه على أمريكا ، و ان فرملة الهجوم المصري من 9-14 تشرين الأول ، غيَّر سياق الحرب و أعطى للإسرائيليين فرصة التقاط النفس ، و ترتيب الأوراق العسكرية من جديد ، و من ثم الانتقال إلى الهجوم و تكثيف الضغط على الحلقة السورية ، مما جعل الانتصار العربي محدوداً و جزئياً ، في حين كان يمكن الخروج بنتائج أفضل عسكرية و سياسية . -1- حرب جاءت تتويجا لسياق عسكري و سياسي : هددت نتائج حرب ال67 مكانة عبد الناصر كزعيم قومي و جعلت مشروعه ينكفيء في نطاق القطرية و مست بشعاراته الوحدوية ، إضافة إلى ما فقده العرب من أرض و كرامة ، لذا و بعد ان رفض المصريون حتى و الجماهير العربية استقالته على خلفية هزيمة 67 ، قرر بالفعل وليس بالقول أن يغير الوقائع على الأرض من خلال التحضير لحرب جديدة ، و يكون قد استعد لها جيداً ، و كان لا بد من أن ينطلق في البداية من ساحته المصرية ، من خلال رفع المعنويات و التأكيد سياسياً و دعاوياً ان الهزيمة ليست نهاية المطاف و ان نتائجها مرفوضة و سوف تُمحى و تستبدل و بعد ذلك كما انطلق عبد الناصر خارج مصر لإيجاد حالة من الاصطفاف العربي و صب الإمكانات في خدمة البناء العسكري ، و دعم الموقف سياسياً بقمة عقدت في الخرطوم بين 28 أغسطس و 2 سبتمبر ، وكان هذا الاجتماع هو الأول بعد الهزيمة ، و الذي صدرت عنه اللاءات الثلاث : لا صلح ،و لا اعتراف ، و لا تفاوض (1) . و إسرائيل من جانبها عاشت نشوة الانتصار و تعامل قادتها مع حرب 67 ، على أنها الحرب الأخيرة بالنسبة للعرب ، إذ سوف لا يكون بمقدورهم المغامرة في حرب أخرى جديدة بعدما لا قوه من هزيمة ماحقة في الحرب ، وقد ارتفعت مكانة قادة الجيش لدى حكومة أشكول وأصبحت قيادة الأركان لها حضورها المميز حتى في القرارات السياسية ، وازداد نفوذ هيئة الأركان العامة لدى حكومة غولدامئير ، اعتماداً على النجاح العسكري الكبير في حرب 67 ، و أخذ رئيس الأركان يحضر جلسات مجلس الوزراء و احتكرت المخابرات الحربية مسألة تحليل المعلومات القومية ، و بدت إسرائيل و قد طغى عليها انتصار جعلها تعيش نشوة غامرة (2) . لكن إسرائيل وجدت نفسها أمام حرب أطلق عليها العرب اسم حرب الاستنزاف ، حيث ان هذه الحرب هي الأولى التي جاءت بقرار من عبد الناصر و بمبادرة منه ، خاصة و أنه سعى من خلالها لتأكيد رفض ما أفضت إليه حرب 67 ، كما حاول ان يعيد الثقة للمصريين و العرب و بينما كانت القيادة الإسرائيلية تنظر لما يجري على الحدود المصرية بأنه مناوشات عسكرية يلجأ إليها عبد الناصر لتحقيق أهداف سياسية ، فإن المصريين كانوا يتعاملون معها كأسلوب قتالي يهدف إلى ضرب عزيمة العدو و إضعاف إرادته و قدرته على الصمود القتالي في مدة زمنية طويلة ،كما تعامل المصريون مع حرب الاستنزاف من منطلق أنها مزاوجة بين العمل العسكري و السياسي و الجدلية الرابطة بينهما على أساس أن يكون العمل العسكري محسوبا بدقة (3) .
1- شليم آفي ، الحائط الحديدي ، ص 253. 2-المرجع السابق ،ص 265 . 3- كيلاني هيثم ال، الاستراتيجيات العسكرية للحروب العربية الإسرائيلية 1948-1988 ،ص319 . -2- بَيْد أن الإسرائيليين أخذوا يدركون تدريجيا أن ما يقوم به عبد الناصر ، إلى جانب بعض المواجهات على الحدود الشمالية مع سوريا أصبح يوقع خسائر في صفوفهم ، ففي 21 تشرين الثاني تم تدمير الطراد ايلات ، و قتل جراء ذلك (47) بحاراً إسرائيلياً ،فردت إسرائيل بضرب المصافي قرب بور سعيد ، و في أوائل سبتمبر فتح المصريون نيران مدافعهم شمال القناة فقتلوا عشرة إسرائيليين و جرحوا (18) ، و بعد أسبوعين من ذلك قصفت مدفعيتهم مواقع إسرائيلية على الضفة الشرقية على مدى تسع ساعات ، فقتلوا (15) جنديا وجرحوا (34) ، و كما في مواجهات أخرى شارك طيران مصري ، لترد إسرائيل و تضرب مواقع و منشآت مصرية في العمق (4) ، و حدثت خلال الاستنزاف اختراقات لمجموعات مغاوير لمواقع عسكرية إسرائيلية على الحدود المصرية و السورية ، ففي 29 آذار عام 70 و على سبيل المثال اجتاحت القوات السورية (21) موقعاً على طول الجبهة فردت القوات الإسرائيلية بهجوم جوي وبري واسع في 2 نيسان عام 70 (5) . أما على الجبهة الأردنية فقد استمر الفدائيون في التسلل و ضرب أهداف لإسرائيلية ، و توجت المواجهات بدخول قوات إسرائيلية إلى عمق الأراضي الأردنية ، لتنشب معركة بين الفدائيين في 21/3/68 ووحدة من الجيش الأردني من جانب و القوات الإسرائيلية من جانب لآخر ، وكانت الخسائر الإسرائيلية (29) قتيلاً و(90)جريحاً ، و ترك الإسرائيليون على أرض المعركة 4 دبابات و 4 سيارات مصفحة (6) . استمرت حرب الاستنزاف ما بين كر و فر وخسائر متبادلة ، ليتوقف إطلاق النار في 7 آب 1970 ، و تبدأ مرحلة أخرى من إعداد القوات المسلحة المصرية ، حيث تواصلت عملية الإعداد بعد وفاة عبد الناصر ، و تسنى للمصريين بمساعدة الخبراء السوفييت إقامة شبكة صواريخ سام 2 و سام 3 ، على عمق 27 كم من القناة ، فيما استمرت سوريا في إعداد قواتها و تحديث أسلحتها و الاستفادة من خبرات السوفييت و التزود بطائرات ميغ 21 (7) .
4-ديان موشي ، مذكراتي (يوميات قادة إسرائيل 3) ،ص347 . 5-كيلاني هيثم ال ، مرجع سبق ذكره ، ص324 . 6- ديان موشي ، مرجع سبق ذكره ،ص325 . 7-كيلاني هيثم ال ، مرجع سبق ذكره ، ص324 . -3- و سياسياً بدا السادات مختلفاً في أسلوبه و في توجهاته عن عبد الناصر ،خاصة و أن عبد الناصر كان لا يسعى لمصادقة أمريكا و إنما لإحراجها في المحصلة النهائية كحليف لإسرائيل وجعلها عنصراً ضاغطاً عليها ، أما السادات فقد أخذ يتوجه إلى أمريكا على حساب علاقاته مع الاتحاد السوفيتي ، ظناً منه أن أفضل وسيلة للضغط على الإسرائيليين هي الانتقال لمنافستهم في حليفهم ، و في هذا الإطار طرد الخبراء السوفييت في يوليو ال72 ، لتفسر إسرائيل هذه الخطوة بأنها اضمحلال للخيار العسكري لدى مصر ودليل على نجاح الاستراتيجية الإسرائيلية (8) ،و في حين كان السادات يقوم بجهود مع أمريكا و يحاول استثمار مكانتها و تأثيرها على إسرائيل في أن تقنع الأخيرة بالتسوية مع العرب تجنباً لحرب قد تنشأ ولتوفير الخسائر البشرية و الاقتصادية ، إلا أن إسرائيل لم تعر أهمية لتوجهات السادات السياسية ومطالبته بتسوية الأمور بعيداً عن الحرب ، لأنها كانت تتعامل وفق عقلية المنتصر الذي يجب أن يملي على المهزوم (9). و لما لم تجد تحركات السادات نتيجة تذكر ، فقد أبقى على استعداداته لخيار الحرب ، وبدأ بالتنسيق مع السوريين كي لا يخوض المعركة وحيداً ،وكي يحقق نتائج أفضل ويجبر إسرائيل على التعامل مع قرارات دولية صيغت واتخذت بعد عام 67 .
8- شليم آفي ،مرجع سبق ذكره ،ص291 . 9- نفس المرجع السابق ،ض292 . -4- استراتيجية الردع اعتقد القادة الإسرائيليون ونتيجة للانتصار الكبير الذي حققوه على ثلاث جبهات عربية عام 67 ، أنهم ضمنوا أمن إسرائيل بتوسيع عمقها ، و أن تهديد الوجود قد زال ، و ان الاستراتيجية العسكرية يجب أن تتركز على الحفاظ على ما أنجزوه و ضمان استمرار وجود الدولة ، لذا فإن الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية في حرب الاستنزاف قامت على أساس تعزيز القوات العسكرية كماً و نوعاً ، و بناء التحصينات المحكمة على الحدود خاصة على الجبهتين المصرية و السورية ، وردع العدو في حرب الاستنزاف عن طريق مهاجمته في عمقه بالطيران و ضرب منشآت عسكرية و اقتصادية حيوية في مدنه للتأثير على معنوياته و دفعه لوقف هجماته (10) . و في السنوات الست من 67-73، اتخذت القيادة الإسرائيلية سلسلة من القرارات خدمة للاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية و سعت إلى ترجمتها و تطبيقها بدقة ،أهمها :- تطوير نظام تسليح الجيش ، و توسيع نطاق التزود بالسلاح من الولايات المتحدة ، و البدء بتصنيع أسلحة مثل طائرات كفير و مدافع متوسطة و طويلة المدى ، صواريخ جو –جو ، صواريخ جو –أرض ، خافرات سواحل من نوع رشيف المجهزة بالصواريخ و تصنيع صواريخ مضادة للسفن و أجهزة مراقبة متطورة (11) . لقد دخلت إسرائيل باب التصنيع العسكري في محاولة لتوفير ما تستطيع توفيره من أسلحة بالاعتماد على الذات في حين ظلت تعتمد في التسلح المتطور خاصة الطائرات المقاتلة و القاذفة و الرادار على الولايات المتحدة ، و قد زادت ميزانية الدفاع بشكل تدريجي بعد حرب 67 لتصل عشية حرب 73 إلى ضعفي ما كان مخصصاً في عام 67 ، و انفق جزء كبير من الميزانيات على التحصينات و خط بارليف و شبكات المواصلات و الاتصالات في سيناء (12) . و ركزت الاستراتيجية العسكرية بعد عام 67 و حتى حرب أكتوبر 73 على الاعتماد على النوعية فيما يتعلق بالسلاح والعناصر البشرية ، من أجل التصدي للتفوق الكمي البشري العسكري العربي ، و رأى واضعو الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية أنه يتوجب توفير أسلحة متطورة من النسق الأول وضمان صيانتها ، إلى جانب التركيز على التدريب وإعداد الكفاءات التقنية و الاحتفاظ بالروح المعنوية العالية للعناصر العسكرية(13). ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 10-ديان موشي ، مرجع سبق ذكره ، ص 345-354. 11-المرجع السابق ، ص 341. 12-ديان موشي ، المرجع السابق ، ص 314. 13- حيدر عزيز ، خليفة أحمد ، وآخرون ،دليل إسرائيل العام ، ص 294. -5- كان الردع هو الأساس الذي قامت عليه الاستراتيجية الإسرائيلية بعد 67،حيث طوت إسرائيل مؤقتاً صفحة الحرب الوقائية أو الضربة الإجهاضية أو الاستباقية، وبنّت مفهوم الردع لديها من منطلق أن خطوط وقف إطلاق النار تستند إلى عوارض جغرافية من شأنها أن توفر لإسرائيل العمق المناسب الذي بمقدوره أن يمكنها من امتصاص الضربة الأولى فيما لو أقدم العرب على مغامرة جديدة ، والانتقال بعد ذلك إلى الهجوم ونقل الحرب للأراضي العربية(14). واعتمدت استراتيجية الردع الإسرائيلية بعد عام 67 وحتى عشية حرب 73 على التفويق الجوي على الدول العربية واتسم هذا التفوق بالحصرية ، بمعنى أنه لم يكن لدى العرب أي رد عسكري أو غير عسكري إزاء هذا التفوق (15) ومن العوامل الأخرى التي بنيت عليها الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية ، القدرة الفائقة للإنذار المبكر المتوفرة لديها بحيث يتسنى لها تجنيد قوات الاحتياط ، وتحديد المساحة المطلوبة للجيش الإسرائيلي كي يستطيع الانتشار عليها لمواجهة أي خطر محتمل ، و تبرز أهمية الإنذار المبكر ، لأن إسرائيل بحاجة إلى (48-72) ساعة لتعبئة جنود الاحتياط الذين يشكلون القوة الرئيسية لجيشها (16) . و بعيد انتهاء حرب الاستنزاف كانت إسرائيل قد وجهت استراتيجيتها في إطار الإبقاء على الوضع الراهن ، تفوق عسكري إسرائيلي ، قدرة ردعية ، التلويح للعرب بقوة استثنائية و أن أي هجوم سيقابل بهزيمة ساحقة ،أي أن سياسة الدفاع الإسرائيلية استنزافية على نحو صريح ، وكان المنطق الكامن وراء هذا ،هو إذا كان العرب غير قادرين على استعادة أراضيهم بواسطة الحرب أو بواسطة ضغط القوى العظمى ، فإنهم سيضطرون للسعي نحو التفاوض ويضطرون للإذعان لبعض المطالب الأمنية الإسرائيلية (17).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 14- كيلاني هيثم ال ، مرجع سبق ذكره ، ص393. 15- ليفران أهارون ، افول قدرة الردع الإسرائيلية ، ص32. 16- نتينياهو بن يمين ، مكان تحت الشمس ، ص22. 17- شليم آفي ، مرجع سبق ذكره ، ص 287. -6- ويمكن هنا إضافة السلاح النووي الإسرائيلي ، الذي لا يتوقع أن تقوم إسرائيل باستعماله في حرب محدودة أو مضمونة النتائج ، فان وجود هذا السلاح لديها، حتى وان لم تصرح بذلك، شكل قوة ردع جديدة للعرب ، والردع الذري كان موضوعاً حصرياً على إسرائيل، خاصة وان الدول العربية لا تمتلك هذا النوع من السلاح . وكخلاصه قامت الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية في أعقاب الانتصار الإسرائيلي عام 67وصولاً إلى حرب أكتوبر 73،على أساس التفوق النوعي ، خاصة في سلاح الطيران ، الردع ، تخويف العرب من شن حرب جديدة ، لان النتيجة ستكون اندحارهم وهزيمتهم ، وفي حال إقدامهم على شن هجوم فإن تحطيم هذا الهجوم حتمياً ، ومن ثم اتباعه بهجوم معاكس على ارض المهاجمين ، الأمر الذي يشكل جوهر الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية وكذلك الاعتماد على التكنولوجيا و الإنذار المبكر ، لدرجة أن القادة العسكريين و استناداً إلى قدراتهم الردعية باتوا شبه مطمئنين بأن العرب سوف لن يكون بمقدورهم المبادرة إلى حرب جديدة ، بمعنى أن إسرائيل أصبحت مقتنعة أنها نجحت في شل أو تحييد قوة العرب ومنعهم من القيام بهجوم انطلاقا من الفهم الاستراتيجي القائل أن الردع هو القدرة على ثني العدو / خصم عن القيام بأعمال عدائية ، وذلك عن طريق توجيه رسالة إليه مؤداها أن مثل هذه الأعمال لن تكون مجدية بالنسبة إليه ، ومن ناحية عملية،فإن الردع يهدف إلى منع الحرب (18).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 18- ليفران أهارون ،مرجع سبق ذكره ، ص10 . -7- المصريون والسوريون يبادرون إلى الهجوم . استكمل المصريون والسوريون استعداداتهما لشن حرب على إسرائيل من جبهتين في ذات الآن ، وقد استطاعت قيادتاهما التمويه على إسرائيل وتضليل استخباراتها من خلال الإبقاء على القوات المرابطة على الجبهة في حالة دفاعية وتجميع القوات وإرسالها إلى الجبهة بشكل تدريجي وعلى مراحل وإيصال الدبابات من خلال حفر ، والاستمرار في مظاهر الحياة العادية والإعلان عن إرسال فوج من الجيش المصري إلى الحج وقضايا أخرى لها علاقة بحركة رجالات الحكومة (19) ، إذ كان المصريون والسوريون يتوقون لمباغتة العدو وتوجيه الضربة الأولى ، لما في ذلك من مكاسب عسكرية ومعنوية ، وكان خبر اعتزام المصريين والسوريين شن الحرب قد وصل إلى موشي ديان الساعة الرابعة من صباح يوم 6 أكتوبر عام ال73 ، ومصدر الخبر كان استخباراتياً ، مع أن المصدر الاستخباراتي لم يسقط من حساباته أن يقوم السادات بتغيير رأيه في آخر لحظة كما حصل في مناسبات شبيهة ، وخلال ساعتين التقى ديان رئيس الأركان ثم تلاه لقاء الساعة الثامنة صباحاً مع رئيسة الوزراء ،وعلى ضوء هذه الاجتماعات اتخذت تدابير و قرارات في إطار الاستعداد للتعامل مع الضربة الأولى منها : استدعاء ما بين (100-120) ألف جندي احتياط ، إجلاء النساء والأطفال من مستعمرات الجولان وتوجيه تحذير إلى مصر وسوريا بواسطة الولايات المتحدة ، ولم توافق رئيسة الوزراء على هجوم وقائي بالطيران على مواقع سوريا كما اقترح رئيس الأركان من منطلق أنه سوف لا يكون ذو جدوى ولن يغير من وجهة ما هو قائم(20). وفي السادس من أكتوبر ، كان للإسرائيليين على الجبهة السورية مباشرة (180)مدرعة ، (11) بطارية مدفع ، (15) ألف جندي ، وعلى الجبهة المصرية (275) مدرعة ، (12) بطارية مدفع ، (8500) جندي ،ولدى استدعاء الاحتياط أضيف (100) مدرعة إلى الجبهة السورية وبضع مئات إلى الجبهة المصرية (21). وقد عبأت مصر للقتال مليون إلى مليون و مئتي ألف جندي ، بينما عبأت سورية (300) ألف جندي ، مقابل (350) ألف جندي إسرائيلي ، بينهم (120) ألف من الاحتياط ، وكان التفوق لصالح العرب ( أنظر ملحق 1+2 اللذين يوضحان توزيع التشكيلات العسكرية وتجهيزات الأسلحة ).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 19-جمسي عبد الغني محمد ال ، حرب أكتوبر 73 ، ص287. 20- ديان موشي مرجع سبق ذكره ، ص 395. 21-المرجع السابق ،ص359-360 . -8- لم تكن لدى مصر وسوريا أوهام بأنه سيكون بمقدورهما تحطيم إسرائيل ، وإنما كانتا تهدفان إلى تحقيق انتصارات جزئية تمهيداً لتحريك الأمور السياسية والتخفيف من حدة عنجهية المنتصر التي ما انفكت إسرائيل تعيشها ، أي أن الهدف من خوض الحرب بالنسبة للعرب كان يتمثل في كسر الجمود السياسي و خلق أزمة دولية تجبر الدول الكبرى على التدخل والضغط على إسرائيل للانسحاب من الأراضي التي أُحتلت عام 67 ، وكان هدف مصر عبور القناة بالقوة والتحصن على الضفة الشرقية للقناة قبل أن تبدأ المفاوضات ، وكان هدف سوريا استعادة الجولان و تدمير بعض القوات الإسرائيلية (22)، وبالفعل استطاعت القوات المصرية والسورية البدء بالهجوم الساعة الثانية بعد ظهر يوم السادس من أكتوبر عام 67 ، و رغم تسرب بعض المعلومات الاستخباراتية عن إمكانية هجوم ، إلا أن القياديتين السياسية والعسكرية لم تأخذا ذلك عل محمل الجد إلا في نفس اليوم وذلك لمجموعة من الأسباب التي بمجملها جعلت إسرائيل تركن لقوتها البنائية وتعيش قناعة أن العرب سوف لا يجرؤون على مغامرة الحرب ،لأن مجرد تذكرهم قوة إسرائيل يجب أن يشكل رادعاً لهم، فعلى الصعيد الأمني أخذت إسرائيل تتعامل أن تهديد الوجود قد زال ، بعد ان استطاعت توسيع عمقها وإبعاد الخطر عن هذا العمق ، وقد تعزز التوجه الأمني الإسرائيلي بعد حرب الاستنزاف ، وبعد إخراج المنظمات الفدائية من الأردن ، و كذلك إعلان السادات مرات عدة عن قرب خوض حرب جديدة ثم يتبين بعد ذلك أن هذه الإعلانات تندرج في إطار التلويح بالحرب لخدمة أهداف سياسية ، إلى أن جاء طرد الخبراء السوفيت ، الذي فسر في إسرائيل على ان ذلك يعني اضمحلال الخيار العسكري لدى مصر ، و دليل على نجاح استراتيجية الاستنزاف الإسرائيلية ، ووجهة النظر العامة حسب تعبير إيبان هي ان السادات قد أرضى الجانب الانفعالي لديه على حساب قوته الاستراتيجية و السياسية (23) . كانت إسرائيل تنظر لنفسها حتى عشية حرب 73 أنها تعيش أوضاعاً أمنية جيدة ، وأن احتمالات حرب جديدة تراجعت بشكل كبير بسبب ما تملكه من إمكانات ردعية هائلة ، حيث وصفت إحدى المطبوعات الشهرية للجيش الإسرائيلي ما حققته إسرائيل في حرب الاستنزاف وما تلاه هو نصر حقيقي كان في غاية الأهمية ، وإذا كان العرب يريدون بعد ذلك فعل شيء،فإنهم يجب أن يأتوا راكعين ويقبلوا الشروط الإسرائيلية (24).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 22- شليم آفي ، مرجع سبق ذكره ، ص 297. 23-نفس المرجع السابق ،ص 291. 24- شليم آفي ،مرجع سبق ذكره ، ص 273 . -9- ومن عوامل القوة البنائية لإسرائيل والتي جعلتها أيضاً في إطار ترابطها مع العوامل الأخرى ، تستهتر بإمكانات العرب وتستبعد أن يتجرؤوا على الهجوم ، ان إسرائيل شهدت بعد حرب 67 وصولاً إلى ال73 ، أي عشية الحرب نمواً اقتصادياً سريعاً بفعل رأس المال الأجنبي والتبرعات اليهودية من أوروبا وأمريكا وريع السندات الإسرائيلية و نتيجة لهذا التطور استطاعت أن تحقق مستوى عالياً من التطور الاقتصادي ،يتمثل في مستوى متطور من التصنيع و قاعدة اقتصادية عريضة منحت الدولة قدرة كبيرة من المراوغة السياسية والعسكرية والاجتماعية وحولتها إلى عنصر مركزي في المنطقة و ثبتت شعوراً جماعياً وفردياً بالعظمة لدى الإسرائيليين (25). لقد زاد الرصيد الداخلي والخارجي لإسرائيل وتوسعت علاقاتها الدولية وتعزز تحالفها مع الولايات المتحدة وبقية الدول الغربية ، وأخذت تطرح نفسها كدولة متقدمة تكنولوجياً ذات أبعاد معرفية عميقة ، وأصبح هناك تغيير واضح في أنماط النشاط الحكومي في مجال البحث و التنمية و التكنولوجيا و تطورت العلاقات العلمية بدول أجنبية والتي توجت باتفاقات للتعاون العملي مع كثير منها(26)، ومن الطبيعي أن تعكس عوامل القوة البنائية هذه بتداخلها وتكاملها ، أن تعكس نفسها على البناء العسكري و تطويره و على قدرة الردع الإسرائيلية ، مما أوجد حالة من الرضى عن النفس ، و بالتحليل فإن ذلك أعطى عشية حرب أكتوبر نوعاً من الطمأنينة لإسرائيل ، وجعلها تشعر بأنها تستند إلى قوة و إمكانات لا يمكن مجاراتها في المنطقة ، أو المس بها أو تحديها ، وهذا سهل على العرب تمرير ضربتهم و تسجيل السبق الهجومي.
25- مناع عادل ، بشاره عزمي ، دراسات في المجتمع الإسرائيلي، ص 259. 26- نمل حسين أبو ، الاقتصاد الإسرائيلي ، ص 178. -10- العرب يربحون الجولة الأولى : الساعة (14:05) من يوم 6 تشرين الأول أكتوبر عام 1973 ، عبرت الطائرات المصرية و السورية من طراز ميج السوفيتية خطوط وقف إطلاق النار ، متجهة إلى المواقع الإسرائيلية ، وفتحت الآف المدافع نيرانها على طول جبهة السويس وجبهة الجولان ، لتبدأ حرب تشرين ، ولتعيش إسرائيل فترات عصيبة أمام هجوم أشعرها بتهديد الوجود و قلب حساباتها رأساً على عقب ، وأثبت خطأ تحليلات سياسييها وعسكرييها الذين خلصوا إلى نتيجة بعد انتهاء حرب الاستنزاف ، بأن العرب سوف لا يبادرون إلى حرب جديدة ، واختيار (عيد الغفران) الذي صادف يوم السبت للبدء بالهجوم ليس صدفياً في حسابات العرب ، وإنما كان يندرج في إطار قرار مفاجأة العدو وكسب ضربة السبق ، و بالرغم من أن الإسرائيليين علموا بنية شن هجوم مصري وسوري في نفس اليوم ، فإن الهجوم كان مفاجأة خاصة و أن القوات الإسرائيلية ، غير المستدعاة ، تحتاج إلى بعض الوقت لتلتحق بالقتال ، وهذا يعطي القوات المهاجمة فرصة تحقيق إنجازات(27). في المراحل الأولى من الهجوم ، كان توازن قوات المشاة بنسبة واحد إلى عشرة لصالح العرب ، إضافة إلى أن الوحدات المهاجمة كانت مجهزة بأسلحة حديثة مضادة للدبابات و صواريخ ستريللا الفردية المضادة للطائرات ، إلى جانب تغطية صواريخ سام ،وصلاحية سلاح الطيران هذه المرة ، فمصر خاضت الحرب ب(600) طائرة وسوريا (350) طائرة (28)،لقد فاجأ أداء العرب القتالي الإسرائيليين ، حيث تعاملوا لأول مره مع هجوم عربي متقن وفق استراتيجية عسكرية واضحة تقوم على أساس الهجوم واقتحام تحصيناته واستعادة أراضٍ ، عكس الحروب الأخرى السابقة التي كان يخضع أداء العرب فيها لردود الفعل و الارتجالية والتخبط والمبادرات الفردية ، إذْ قدمت الجيوش العربية أداءً جيداً ، لا سيما في المرحلة الأولى من الحرب ، فقد عبر الجيش المصري القناة واستولى على خط بارليف وتقدم داخل سيناء لمسافة معينة وألحق بإسرائيل خسائر فادحة في الدبابات والطيران والأفراد ، أما الجيش السوري فقد قام بزحف خطير بالقوات المدرعة على مرتفعات الجولان ولفترة قصيرة من الزمن بدا و كأنه لا يمكن إيقافه (29).
27 -ديان موشي ، مرجع سبق ذكره ،ص 363. 28- المرجع السابق ،ص374 . 29- شليم آفي ، مرجع سبق ذكره ، ص 298 . -11- سعت إسرائيل في السادس من أكتوبر و بعد تيقنها من أن الحرب واقعة لا محالة إلى رفع استعداد قواتها و التهيؤ للمجابهة وتحطيم الهجوم ، وكان الهدف العسكري الإسرائيلي المسلح عدم تمكين العدو من تحقيق أي مكاسب عسكرية و تدمير قواته المهاجمة وبنيته العسكرية ، والبرهنة للعرب مرة أخرى أنهم ليس لديهم خيار عسكري (30). كان الإسرائيليون يعتقدون أن الحرب ستنتهي سريعاً ، فالذاكرة حافلة بانتصارات سريعة وساحقة على العرب ، غير أن ما فعله السوريون والمصريون كان مغايراً هذه المرة ، فأمام الإنجازات العسكرية التي حققها العرب ، عاشت إسرائيل حالة من الذهول ، ومضى يومان بعد اندلاع الحرب ن ولم يكن قد تم الانتهاء من تجنيد كل قوات الاحتياط ، و اضطر الجيش الإسرائيلي إلى خوض معارك غير متكافئة مع العرب ، إذْ شعروا أن وجودهم ودولتهم في خطر ، وكان الجنود يحاربون حسب تعبير موشي ديان للحيلولة دون تدمير الهيكل الثالث(31). خطط السوريون و المصريون لاحتلال مواقع بعد اختراق التحصينات وتحطيم قوات العدو وتحرير مواقع احتلتها إسرائيل عام 67 ، لكن اندفاع القوات السورية كان سريعاً و قوياً ، فقد تمكنت من اختراق قطاع حسنيه ، 22 كيلوا متراً إلى الجنوب من القنيطرة ، وراحت تتقدم نحو طرقات ، تتيح لها الانحدار من مرتفعات الجولان إلى بحيرة طبريا(32). كانت القوات السورية تشكل تهديداً حقيقياً، وإن اندفاعها ووصولها عشرة كيلو مترات فقط من أحد جسور نهر الأردن ، جعل القيادة العسكرية تصب تركيزها على هذه الجبهة ، في محاولة لوقف تقدم القوات السورية التي باتت تهدد المستعمرات الشمالية أيضاً ، لكن خطة الهجوم المضاد التي بدأتها القوات الإسرائيلية لم تحقق نتائج جدية ، بل أن القوات السورية أوقعت فيها خسائر جسيمة ، مما اضطر ديان لإعطاء أوامر لتحريك الطيران بقوة وكثافة لضرب مقدمة الدبابات السورية ، وإيقاف تقدمها ، حتى لو حدثت خسائر كبيرة في الطيران ، لأن استمرار تقدم السوريين يعنى تهديد إسرائيل في العمق نقطة الضعف الأمنية القديمة –الجديدة-
30- شليم آفي ، مرجع سبق ذكره ، ص 297 31- نتينياهو بنيامين ، مكانة تحت الشمس ،ص320 . 32- ديان موشي ، مرجع سبق ذكره ، ص 38 . -12- نجح المصريون في عبور قناة السويس و بتشغيل طيرانهم بشكل جيد في المعارك ، وفي خوض معارك اقتحامية عن طريق وحدات خاصة منتقاة قاتلت وجهاً لوجه ، فلم يكن مجال أمامها إلا اقتحام التحصينات بشكل مباشر و الضرب بأقصى قوة ، لكن الجبهة المصرية و استناداً إلى قرارات علياً دخلت فترة هدوء من 9-14 تشرين الأول ، مما أعطى إسرائيل فرصة فريدة لتعزيز قواتها و إعادة انتشارها وتعويض بعض خسائرها في المدرعات بالحصول على مزيد من الأسلحة الأمريكية (33)، إذْ بدت هذه الفترة وكأنها قد فصلت تفصيلاً في مرحلة دقيقة وهامة عل مقاس الإسرائيليين ووفق ظرفهم الخاص . وقد أضر ذلك باندفاع وحماسة الجندي المصري الذي أبدى شجاعة ،واستبسالاً في المعارك ، حيث كان جندياً جمع بين التعامل المبدع مع التقنيات العسكرية الحديث وبين الروح الاقتحامية التي لم توقفها تحصينات و لا أخطار ، كما اضر عسكرياً بالجانب السوري ، الذي دخل الحرب وفق استراتيجية مشتركة ، وبالتالي فإن أي قرار ميداني يفترض أن يكون بالتنسيق والتناغم مع وضع الفريقين ، لذا انفردت القوات الإسرائيلية من (9-14) تشرين الأول لسوريا ألحقت بقواتها خسائر كبيرة أجبرت الجيش السوري على العودة إلى الخطوط التي انطلق منها . وفي إطار تحليل الموقف فقد كان للسادات حساباته ، ففي هدوء الجبهة رسالة سياسية لأمريكا ، لتدخل على الخط دبلوماسياً، وهذا الموقف يعود إما لتغيير في الإستراتيجية العسكرية وهذا خطأ عسكري ، لأن الإستراتيجية لا يتم تغييرها خلال المعركة ، أو لأن السادات حدد لنفسه أهدافاً سياسية من الحرب اعتقد أنه قد وصل إليها في الثلاثة أيام الأُول .
33- كيلاني هيثم ال، مرجع سبق ذكره ،ص366 . -13- تحول في سير المعارك: في الثلاثة أيام الأولى من الحرب برع الجندي المصري والسوري ، واثبت مقدرة في التعاطي مع التكنولوجيا ، ولعبت الدبابة دوراً هاماً في الحرب ، كما اثبت رجال الوحدات الخاصة الذين مدوا الجسور وعبروا القناة إرادة قتالية عالية ، كما برز تناغم لا بأس به بين الدبابة و الطائرة على الجبهتين السورية والمصرية (34) . لكن وصول قوات الاحتياط و بدء شن هجوم مضاد اعتماداً على بعض الثغرات الهجومية العربية مثل سرعة اندفاع القوات السورية وضعف التنسيق بين الجبهتين ، إضافة إلى تدفق ، الإمدادات الأمريكية عبر جسور جوية عوضت الخسائر الإسرائيلية بل وربما في بعض المجالات فاقت الخسارة ، كل هذه العوامل مهدت الطريق أمام بداية تحول في المعارك ما بعد 9 تشرين الأول ، لاسيما بعد أن شهدت الجبهة المصري هدوءً (35). وفي يوم 11 تشرين الأول بدأت القوات الإسرائيلية هجوماً كبيراً على القوات السورية ، التي انضمت إليها وحدات عراقية و أردنية ومغربية وسبق الهجوم غارات جوية ،وتقدمت القوات الإسرائيلية طيلة اليوم الثاني للهجوم و كذلك في 13 تشرين الثاني ، وأنشأ الإسرائيليون خطاً دفاعياً جديداً كان أقرب إلى دمشق 16 كيلوا متراً مما كان عليه خط وقف إطلاق النار سنة 1967 (36) ، أما الخط الواصل بين الجبهة ودمشق فجمعت فيه أكثر من(300)دبابة من دول عربية شكلت جداراً منيعاً يذود عن العاصمة السورية . وبعد أن تمكن الجيش الإسرائيلي من تحقيق تقدم ملموس على الجبهة السورية ، وضمان عدم قدرة السوريين على الإمساك بزمام المبادرة حرك الإسرائيليون جزءً من قواتهم إلى الجبهة الجنوبية، حيث تفرغوا لها ، وفي يوم 14 تشرين الأول اصدر قائد القطاع الجنوبي أوامره بأن يتم اجتياز قناة السويس الساعة 19 من اليوم التالي ، في منطقة الدفرسوار إلى الشمال من البحيرة المرة الكبيرة ، وتم تكليف فرقتي أريك وبيرن للقيام بهده المهمة ،بينما كلفت فرقتان أخريان بإشغال القوات المصرية على الضفة الشرقية ، وحسب الخطة فإن فريق أريك كان من المفروض أن يفتح ممراً عرضه حوالي 4 كيلومترات، ثم يقوم لواء مظلي بعبور القناة و إقامة رأس جسر على الضفة الغربية ، وكان على فرقة شارون أن تعبر أولاً ، وتقوم بتطهير المنطقة وراء الممر المائي وحماية رؤوس الجسور على الضفتين، أما فرقة بيرن فعندما تعبر رؤوس الجسور ، تنطلق جنوباً باتجاه خليج السويس(37). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 34-برنامج خاص عن حرب أكتوبر ، تلفزيون الجزيرة ، الثامنة والنصف من صباح 28/1/2002. 35-نفس المرجع السابق ، نفس الساعة واليوم. 36-ديان موشي ، مرجع سبق ذكره ، ص 409. 37- المرجع السابق ، ص410. -14- وقد جرت معارك شرسة بين الجانبين ، تكبد المهاجمون خسائر جسيمة ، لكن اختراق الدفرسوار تم في النهاية بطريقة التفافية لم يتوقعها المصريون ، وأخذت القوات الإسرائيلية توسع الثغرة حتى أصدر مجلس الأمن قراره بوقف إطلاق النار الساعة 19:00 يوم 22 تشرين الأول ، حيث عانى الجيش الثالث من قطع الطريق عليه ومنع الإمدادات من الوصول إليه(38). تطلب العبور إلى الضفة الغربية للقناة وقطع الطريق على الجيش الثالث المصري ليس خطة عسكرية محكمة فحسب ، وإنما مغامرة لخطورة المهمة واحتمالات فشلها ، وبالتالي إبادة القوات المهاجمة، فبعد أن امتصت إسرائيل الضربة الأولى ، قلبت الطاولة على أعدائها حسب وصف بعض الباحثين الإسرائيليين ، و إذا كان العرب فازوا في الجولة الأولى ، فإن إسرائيل فازت في الجولة الثانية (39)، و لم يجد نفعاً ذلك الهجوم الجديد الذي قامت به القوات المصرية في سيناء ، فقد كانت خسائرها كبيرة ، نظراً لأن الجيش الإسرائيلي قد أفاق من الصدمة و حشد قواته من جديد وامسك بزمام المبادرة(40) ، ولم تفلح القوات المصرية بسد ثغرة الدفرسوار ، حيث كانت الخطة بأن تقوم 21 مدرعة من الجيش الثاني بدفع أحد ألويتها في اتجاه الجنوب ، ويقوم الجيش الثالث بدفع اللواء 25 مدرع باتجاه الشمال ، وبالتالي سد ثغرة الشرق ، لكن اللواء 25 تعرض لقصف عنيف من الطيران وهجوم عن جنبه الأيمن من المدرعات ، بحيث لم يتمكن في النهاية من سد الثغرة من الشرق(41) ، لتنتهي الحرب وقد فوجئت سوريا بقبول السادات بوقف إطلاق النار ، مما حدا بها للقيام بخطة هجوم لعلها تزحزح الموقف ، ثم عادت واستأنفت أعمال القتال بشكل محدود بدءً من 13 آذار ال74 على شكل حرب استنزاف استمرت (80) يوماً هدفت إلى كسر الجمود الناتج عن الموقف الأمريكي إزاء سوريا ، وذلك بتبادل القصف المدفعي و تبادل احتلال المرتفع 2814 في قمة جبل الشيخ غير مره لتنتهي المعارك في 31 أيار ال74 ، حين تم فصل القوات (42). وأخيراً لتنتهي الحرب وقد تكبدت إسرائيل خسائر كبيرة في الأرواح والمعدات ، لم تتكبد مثلها في أي من الحروب السابقة ، إذْ بلغت الخسائر الإسرائيلية وحسب المراجع الإسرائيلية (2838) قتيلاً و (8800) جريحاً ، وفقدان (103) طائرات و (840) دبابة (43) .
38- كيلاني هيثم ال ، مرجع سبق ذكره ، ص 368. 39-شليم آفي ،مرجع سبق ذكره ، ص 298 . 40- حمسي عبد الغني محمد ال ، مذكرات الحمسي حرب أكتوبر ال73 ، ص405 . 41- نفس المرجع السابق ،ص 417 . 42- كيلاني هيثم ال ، مرجع سبق ذكره ، ص372 . 43- شبيم آفي ، مرجع سبق ذكره ،ص298. -15-
حكومة إسرائيل تتعرض لضغوطات لم يمثل الهجوم العربي على إسرائيل فشلاً للمخابرات الإسرائيلية فقط ، ولكنه مثل فشلاً لسياسة الحكومة التي كانت تعتقد أنها تستطيع الإبقاء على الوضع كما هو إلى ما لا نهاية والانصراف لمعالجة الوضع الداخلي وحل الأزمات ، حين بدأت الحكومات العمالية تشجع رأس المال وتقدم الإعفاءات للشركات على حساب الشرائح الفقيرة ، مما أوجد ظواهر اجتماعية مختلفة (44)، فقد أخرجت الحرب إسرائيل من همومها وظروفها الداخلية واضطرتها للتعامل مع خطر داهم أخذ يهدد إنجازاتها السابقة وربما أعاد إليها من جديد قضية تهديد الوجود. أدارت حكومة غولدامئير الظهر لمبادرات سياسية و عرقلت توجهات السادات من أجل التوصل إلى تسوية ، ولم تستجب حتى للجهود الأمريكية التي كان آخرها في آذار ال73 ، وتعاملت الدبلوماسية الأمريكية مع وفود إسرائيلية ومصرية و أردنية في إطار محاولات تحريك الوضع السياسي ، لكن موقف غولدامئير الرافض للتفاوض على أساس القرارات الدولية خاصة 242 ، أفشل كل شيء ،لأن مئير كانت تنطلق من فهم يقول ليس لدى العرب خيار عسكري (45). كانت غولدا مئير في تلك الفترة في قمة الإنشداد للنخبة العسكرية ، وكانت تقييمات هذه النخبة محط ثقة وتقدير ، إذْ أن التحليلات والحسابات والاملاءات العسكرية أصبحت تجد لها مكاناً تأثيرياً كبيراً على المستوى السياسي (46)، وشكل هذا أحد مآخذ الخصوم على مئير،وإذا كان هجوم العرب قد فاجأ الحكومة الإسرائيلية بزخمه وقوته وقبل كل شيء بقرار شن الحرب ، فأن النتائج الأولى للحرب قد شكلت صدمة شديدة للحكومة ، لذا فإنها عندما استطاعت إحداث تغييرات على ساحة المعركة ،حاولت أن تتابع انتصاراتها لولا أنها ارتطمت أولاً بالمقاومة العربية على الجهتين وثانياً بالموقف السوفيتي الذي كان يرفض أن يخرج حلفاؤه مهزومين من الحرب وقد دمرت بنيتهم العسكرية ،فمارس ضغوطات للتوصل إلى وقف إطلاق النار ،وعندما اختلت موازين القوى لصالح إسرائيل ، اتخذ الاتحاد السوفيتي سلسلة من التدابير ورفع في 23 تشرين من وتائر استعداد فرقه المحمولة جوا في أوكرانيا ووحدات الإمداد ، لتعلن الولايات المتحدة استنفار قواتها التقليدية والنووية وحاملتي الطائرات روزفلت وكندي (47)، لم تخف حدة التوتر بين الدولتين إلا بعد دخول وقف إطلاق النار حيز التطبيق على الجبهة المصرية- الإسرائيلية . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 44-مناع عادل ،بشارة عزمي ،مرجع سبق ذكره ،ص119. 45-شليم آفي ، مرجع سبق ذكره،ص293. 46-نفس المرجع السابق،ص265+266. 47- كيلاني هيثم ال ، مرجع سبق ذكره ، ص 374 . -16- ولتلاشي صدام بين القوتين الكبيرتين وفي إطار توازن القوى بين الدولتين العظمتين ،يعترف بعض قادة إسرائيل خاصة موشي ديان ، ان الولايات المتحدة مارست ضغوطاً على إسرائيل للالتزام بوقف إطلاق النار وفك حصار الجيش الثالث المصري (48)، فيبدو أن الولايات المتحدة تعتبر أن ما تحقق في الحرب كان كافيا لتحريك الأوضاع السياسية في الإطار الذي ترغب هي وضمن توجهها ورعايتها، ورأت أن لا داعي لان تتحمل أي الولايات المتحدة الأمريكية جراء ذلك استحقاقات دولية كبيرة خاصة أمام الاتحاد السوفيتي الذي رفع من وتيرة استنفاره عندما شعر بالخطر الذي بدأ يحيط بالعرب ، فكان لا بد من وقف الحرب في الحدود التي وصلتها وحققتها .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ 48-ديان موشي ،مرجع سبق ذكره ،ص428. -17- قراءة في النتائج : أعطت حرب 73 برهاناً ساطعاً، أن الجندي العربي إذا ما توفرت له الظروف يستطيع أن يقاتل ببسالة و يحقق انتصارا ، ودللت في المقابل ان الجيش الإسرائيلي ليس مطلق الإمكانات ، وهزت هذه الحرب مقولة الجيش الذي لا يقهر ،وبالتحليل العسكري ، فان العرب استطاعوا مفاجأة إسرائيل وتسجيل ضربة السبق واقتحام التحصينات ،كما نجحت دولتان عربيتان في فتح جبهتين في ذات الآن، وفي توظيف إمكانات عسكرية داعمة لهاتين الجبهتين من عدد من الدول العربية ، إذا خاض العرب المعركة لأول مرة ضمن استراتيجية عسكرية. إسرائيل تجرعت في الأيام الثلاثة الأولى مرارة الهزيمة على الجبهتين المصرية والسورية ، وبدأت مرتبكة أمام تقدم القوات العربية ، وأمام الخسائر المذهلة التي منيت بها ، إضافة إلى فشل هجومها المضاد في المرحلة الأولى من الحرب وخطر تهديد الوجود وخشية انتقال المعارك داخل مدنها الأمر الذي ظنت نفسها قد حسمته في حرب 67. وقد شكل الهدوء الذي شهدته الجبهة المصرية من 9-14 تشرين الأول الذي جاء بقرار من القيادة السياسية المصرية تحت شعار إعادة ترتيب وتهيئة القوات ، شكل نقطة إنعطافية في الحرب، أتاحت المجال للإسرائيليين حشد قواتهم و ترتيبها و الانتقال إلى الهجوم ، ثم التركيز خلال هذه الفترة على الجبهة السورية ، حيث تم وفق تقدم الجيش السوري و تكبيده خسائر كبيرة ، بعد أن تسنى للجيش الإسرائيلي نقل زخم المعركة إلى الجبهة السورية ، إذْ أن تهدئة الجبهة لبعض الوقت دون التنسيق مع السوريين شكل معضلة حقيقية للسوريين وللحرب ومسارها بشكل عام وأعطى فرصة ثمينة للإسرائيليين لاستنهاض قواتهم والإمساك بزمام المبادرة . ويبدو أن السادات كان قد حدد لنفسه أهدافاً معينة سعى للوصول إليها وتحقيقها من خلال حرب محدودة ، انتظاراً لتحرك سياسي أو تدخل من أمريكا ، أو أن السادات غيَّر استراتيجيته خلال المعركة ، وهذا يعتبر من الأخطاء العسكرية في الحرب ، وكما أشار كلاوزفتيز ، لا يجوز تحت أي ظرف من الظروف تغيير الاستراتيجية العسكرية خلال المعركة ، والنقطة المهمة هنا ، أن السادات بدأ المعركة بالتنسيق مع السوريين وبقرار مشترك من الجانبين ، وكان من المفروض أن يستمر التنسيق خلال سير المعارك ،لا أن يقرر بمفرده ، أن يتوقف بمعزل عن الطرف الشريك.
-18- أما بالنسبة للمصريين ، فعندما لم يتحقق لهم في الفترة ما بين (9-14) تشرين الأول أي إنجاز يذكر ، أرادوا أن يعيدوا لأنفسهم المبادرة ، لكن بعد أن تغيَّرت الوقائع على الأرض ، حيث خسروا عندما حاولوا استئناف الهجوم (200) دبابة ، لتبدأ مرحة جديدة من الحرب ، تحول فيها الإسرائيليون لتحقيق انتصارات ، الأمر الذي وصفه بعض المحللين العسكريين أن العرب كسبوا المرحلة الأولى من الحرب ، بينما كسب الإسرائيليون المرحلة الثانية. لقد سعى السادات حتى من خلال المعركة إلى التقرب من أمريكا و استمالتها لعلها تقنع الإسرائيليين بالتفاوض ، هذا يجعلنا نتخيل فيما لو أن عبد الناصر هو الذي قاد الحرب ، فإن النتائج على الأغلب اختلفت على الأرض ، فعبد الناصر كان سيحرص على تكريس قومية المعركة بالنسبة للعرب التي حولها السادات إلى قطرية، بعد أيام قليلة من شنها ، وعبد الناصر ما كان ليوقف الحرب بمعزل عن سوريا لينتظر إشارات معينة من أمريكا ، كونها هي العدو الحقيقي في قاموسه السياسي العسكري ، فيما إسرائيل هي العدو الميداني الذي يتجسد فيه المشروع العدواني الغربي وهذا كان يظهر جلياً في خطاب عبد الناصر المتكرر سنحارب إسرائيل ومن وراء إسرائيل والمقصود أمريكا ،التي تقف وراء إسرائيل توفر لها كل متطلبات ا لعدوان، وأيضا لو كان عبد الناصر هو الذي قاد الحرب ، لسعي لتحقيق إنجازات واختراقات أوسع تمهيداً لخلق وقائع و معطيات على الأرض ، تجبر أمريكا على التحرك والضغط على إسرائيل لقبول القرارات الدولية ، وربما وصولاً إلى قرار التقسيم ، خاصة فيما لو نجح عبد الناصر في تهديد وجود إسرائيل . السادات الذي تعامل مع الحرب في إطار تكتيكي أو لتحريك التسوية بعد الحرب ، أضاع فرصة تاريخية عندما تلكأ في الهجوم في فترة 9-14 تشرين الثاني ، ثم سمح بقراراته وتدخله في سير المعارك الميدانية بثغرة الدفرسوار فيما بعد ومحاصرة الجيش الثالث والدخول في مساومات والتوصل إلى وقف إطلاق النار وإبقاء سوريا تواجه مصيراً صعباً في الحرب. ومهما يكن من أمر فإن الحرب أعطت صورة عسكرية أفضل للجندي العربي ، كما حولت حظر النفط إلى رصيد إنتاجي سخر استراتيجياً في خدمة عملية عسكرية ، وكان يمكن أن يستثمر سلاح النفط بشكل أفضل في الضغط على أمريكا والدول الغربية ، بالتالي على إسرائيل ، إلا أن مواقف السادات وتحركاته الفردية قدت بهتت من هذا السلاح و قزمّته وأعطت مبرراً للدول العربية المنتجة للبترول لكي تتراجع.
-19- لقد كانت حرب ال73 حرباً مختلفة بالنسبة للعرب فقد قاتلوا ميدانياً وكانت مختلفة بالنسبة للإسرائيليين لأنهم فوجئوا أمام جندي عربي قاتلهم هذه المرة وجهاً لوجه ، على عكس عام 67 حيث لم تدر حرب حقيقية في الميدان ، حيث فوجئ الجيش الإسرائيلي والحكومة بالإرادة القتالية للجندي العربي وتصميمه على إحراز نتائج ملموسة على أرض المعركة ، فتغيرت الصورة في المشهد الإسرائيلي إزاء الجيوش العربية ، من جيوش تهرول أمام جبروت وقدرات قواتهم إلى جيوش تستطيع القتال وتستوعب التكنولوجيا ، وبمقدورها أن تتعامل وفق استراتيجيات عسكرية ، كان يمكن لحرب 73 أن تهدد وجود إسرائيل ، لو حارب العرب على نفس الوتيرة التي حاربوا فيها في الأيام الثلاثة الأولى و استثمروا الإمكانات الضخمة التي وظفوها لخدمة المعركة ،و جندوا احتياط الدول العربية الأخرى، خاصة وان بعض الدول العربية كانت مستعدة فعلاً لتقديم إمكانات أوسع في المعركة . إن حرب 73 نظراً لتجربة الإسرائيليين مع الانتصارات الكبيرة ، و بما آلت إليه ، يمكن اعتبارها هزيمة عسكرية للإسرائيليين ،و أن الخطوط الدفاعية الثابتة برغم أن الإسرائيليين عولوا عليها كثيراً فقد ثبت عدم فعاليتها في صد الهجوم ، إذْ أن الدفاعات الثابتة تتناقض مع فهم ليدل هارت الذي يُعتبر القادة العسكريون الإسرائيليون تلامذة له ، كما أن الوحدات المدرعة الإسرائيلية التي كانت لها صولاتها و جولاتها في حرب 67 كانت غير مجدية في الأيام الأولى للمعركة في مواجهة الدفاعات المصرية ، وبدل ان يظهر الإسرائيليون تميزا في التعاطي مع الفهم العسكري ل (ليدل هارت) استنادا إلى تراثهم على هذا الصعيد ، فإن المصريين هم ( الذين حققوا على وجه التقريب روح تعاليم ليدل هارت في المرحلة الأولى من القتال بالجمع بين هجومهم الاستراتيجي عبر القناة ودفاع تكتيكي صارم (49)، أما شارون وفي المرحلة الأخيرة للحرب ، فقد طبق أسلوب (ليدل هارت) عن طريق مفاجأة الجيش الثاني المصري من خلال عدم الركون إلى القرارات الصادرة إليه بالبقاء على الموقف الدفاعي إلى ان يتم تأمين رؤوس جسور العبور على كلا جانبي القناة ، لكنه هاجم وباغت و أشاع الارتباك في مؤخرة الجيش الثاني وحقق نتائج عسكرية استثمرتها إسرائيل فيما بعد سياسيا (50). ثلاثة عقود مرت على حرب اكتوبر73 ،وما وفرته المعارك من أحداث وتطورات ميدانية على الأرض،وما مثلته من استيعاب للتكنولوجيا العسكرية وصراع بين استراتيجيتين عربية وإسرائيلية ،ما زالت تشكل تربة خصبة للدارسين والمتخصصين رغم الأبحاث والدراسات الكثيرة التي تناولت الحرب .
49- بوند بريان ، الفكر العسكري عند ليدل هارت ، ص249. 50- المرجع السابق ،ص 250. -20- ان القرارات السياسية التي صدرت خلال الحرب وبعدها ربما تكون قد طوقت الانتصار العربي وحاصرت من استثمارات سياسية له أوسع وأبعد من تلك التي تحققت ،ولكن الحقيقة التي لا يختلف عليها اثنان ، حتى من أولئك الباحثين والمؤرخين الإسرائيليين ، ان الجندي المصري برهن ان الجمع بين استيعاب التكنولوجية العسكرية والروح الاقتحامية الإستشهادية ،قد انزل الأسطورة العسكرية الإسرائيلية من فضاء العلياء والمجد إلى ارض المعركة وحولها إلى جنود وضباط يُقتلون ويتقهقرون ، والى طائرات تسقط والى دبابات تحترق ، الأمر الذي هز القياديين الإسرائيليين العسكرية والسياسية، ومازال عبور قناة السويس واقتحام خط برليف يشكلان عقدة تاريخية عسكرية وسياسية بالنسبة لإسرائيل . أما السوريون وحسب اعتراف ديان نفسه فظهروا في الحرب كأنه لا يمكن إيقافهم ، لقد اندفعوا بشجاعة منقطعة النظير ، إلا ان النتائج في المحصلة النهائية لم تأتِ بقدر ما كان طوحهم واستبسالهم . ومع ان العرب حققوا إنجازا معنوياً وعسكريا في الحرب ، إلا ان ترجمته بلغة السياسة كانت بائسة وعكسية ، فقد دخلت أمريكا بقوة الساحة العربية بعد هذه الحرب مباشرة ، ومازالت تصول وتجول، بل ان الإدارات الأمريكية المتعاقبة صارت تتدخل في سياسات الحكومات ان لم نقل ترسم الغالبية العظمى منها ، ليتحول الانتصار العسكري العربي في أكتوبر إلى انكسار سياسي تعاني منه الشعوب العربية حتى هذه اللحظة ، لكن هذا لا يعني ان الأمور العربية ستظل موشحة بالسواد إلى ما لا نهاية بل اشتداد العتمة الحالكة تبشر بقرب النور وربما كان هذا أهم دروس حرب أكتوبر، فبعد ان غطى بلاد العرب ظلام حرب 67، انبلج نور بعد ذلك بست سنوات ، ثم سادت العتمة الحالكة مرة أخرى ، بانتظار نور تأخر ،لكنه سيأتي ، وهذه ليست غيبيات و إنما معطيات وحقائق ترتبط بحركة التاريخ .
-21- ملحق رقم 1
توزيع التشكيلات العسكرية الميدانية في حرب 73.
التشكيلة إسرائيل مصر سوريا لواء مدرع 18 10 10 لواء ميكانيكي 9 9 5-6 لواء مشاة 9 15-19 9-11 لواء قوات خاصة (مظليين-محمولة جواً-مغاوير) 5 4 2
ملحق رقم2
توزيع الأسلحة وتناسبها بين الدول الثلاث في حرب أكتوبر
السلاح إسرائيل مصر سوريا دبابات قتال 2400 1800-2200 1600-1800 مركبات مدرعة 4000 2500-2600 1300-1500 مدافع هاون وراجمات صواريخ 950-1470 2500 1000-1200 طائرات(مقاتلة-قاذفة-عمودية) 465-485 650-700 310-350 زوارق طوربيد 9-18 34-36 13-17 زوارق صواريخ 14 17-19 8-9 زوارق دورية 20 12 3 مدمرات - 5 - فرقاطات - 3 - غواصات 1-2 12 - كاسحات ألغام 4 8-14 4 سفن إنزال 10 14 - المراجع بوند بريان، الفكر العسكري عند ليدل هارت ،ترجمة سمير كرم ،ط1 ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت:1979 . جمسي عبد الغني محمد ال ، حرب أكتوبر 1973،ط2، المنشورات الشرقية مطابع شركة تيب باريس :1990 . حيدر عزيز ، خليفة احمد وآخرون ، دليل إسرائيل العام (تحرير صبري جريس وأحمد خليفة)،ط3، مؤسسة الدراسات الفلسطينية ، بيروت : 1997 . حافظ ياسين ال، الآثار الكاملة : الهزيمة والأيدلوجية المهزومة ، ط1،دار الطليعة بيروت:1979 . هارت ليدل ، الاستراتيجية وتاريخها في العالم ،ترجمة الهيثم الأيوبي ، دار الطليعة ، بيروت : 1967 . دايان موشي ، مذكراتي ( يوميات قادة إسرائيل )،ط(؟)، دار الفكر ،؟؟ رابين اسحق ، مذكرات ، ط1 ، دار الجليل للنشر والدراسات والأبحاث الفلسطينية ، عمان : 1993. زهران جمال علي ، توازن القوى بين العرب وإسرائيل حرب 67-73 ،ط1 مكتبة مدبولي ، القاهرة :1988. شليم آفي ، الحائط الحديدي (ترجمة ناصر عفيفي )،ط1 ، مؤسسة روز اليوسف ، القاهرة :2001. شرع صادق ال ، حروبنا مع إسرائيل ، 1947-1973 ، معارك خاسره و انتصارات ضائعة ، ط1، دار الشروق للنشر والتوزيع ، عمان :-1997. عطايا محمود أمين ، الجيش الإسرائيلي 1948-1995، ط1 ، المنارة ، بيروت – دمشق : 1995. عزمي محمود ، دراسات في الاستراتيجية الإسرائيلية ، ط1 ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت :1979. خالد عمنوئيل، انهيار نظرية الأمن الإسرائيلية ( ترجمة احمد بركات العجرمي)ط1، دار الجليل للنشر ، عمان: 1992. كيلاني هيثم ال ، الاستراتيجية العسكرية للحرب العربية الإسرائيلية ، ط1 ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت : 1991. كلاوزفتيز كارل فون ، عن الحرب ، ترجمة شاكر الإمامي ، ط1 ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت : 1997. مناع عادل ، بشارة عزمي ، دراسات في المجتمع الإسرائيلي ، ط2 ، مركز دراسات المجتمع في إسرائيل ، بيت بيرل: 1998. ليفران اهارون ، افول قدرة الردع الإسرائيلية (ترجمة ) ط1، المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية ، رام الله : 2001. نتياهو بنيامين ، مكان تحت الشمس ،(ترجمة محمد عودة الدويري )ط3، دار الجليل و الأبحاث الفلسطينية ،عمان 1997 . نيوفرجر بنيمين ، الحروب و الأنظمة ،( كتاب باللغة العبرية ) ،ط2 ، الجامعة المفتوحة ، تل أبيب :1992 . نمل حسين أبو ، الاقتصاد الإسرائيلي ،ط1 ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت :1998. برنامج متلفز : برنامج خاص عن حرب أكتوبر ، محطة الجزيرة قطر ، الساعة الثامنة والنصف صباحا ،28/1/2002.
PORAT BEN Yeshayahu, GEFEN Yehonatan, others, Kippur, Givatayim, Tel Aviv: December 1973.
|