بحوث ودراسات

 

7/18/2005

 

آي بي برس

 

البركان اللبناني والحرب الإفتراضية د. محمد احمد النابلسي رئيس المركز العربي للدراسات المستقبلية

 


الحرب الافتراضية هو عنوان الكتاب الصادر لديفيد روزنفلت وجون اركيلا. وملخص الكتاب هو أن الحروب القادمة هي حروب إعلامية. والرابح في هذه الحروب هو الذي يسيطر على الإعلام وبالتالي على عقول الناس.
إن ما جرى في لبنان منذ اغتيال الرئيس الحريري يعتبر حرباً افتراضية بامتياز. بل لعلها إحدى أشرس الحروب الافتراضية المجربة حتى اليوم. فبالعودة الى تطورات سير الأمور منذ الاغتيال نجد المراحل التالية:
1. رفض عائلة الحريري المشاركة الرسمية في الجنازة. بما يبطن اتهام السلطة اللبنانية كاملة بالمشاركة في الاغتيال. وبالنظر الى التغطية الإعلامية العالمية للجنازة فإن التهمة عممت على الرأي العام العالمي. في خطوة أولى على طريق تحقيق انقلاب على السلطة.
2. تركيز الإعلام على المظاهرات القائمة حول الضريح. بما فتح أبواب الإعلام العالمي أمام المتظاهرين على حساب المسؤولين في السلطة اللبنانية. إذ كان بإمكان أي متظاهر أن يبدي رأيه للإعلام العالمي وهو ما عجز عنه الوزراء آنذاك.
3. إطلاق نظرية التفخيخ تحت الأرض مع الرفض القاطع لإمكانية العملية الانتحارية. إضافة لتوزيع شائعة قطع الطريق قبل أيام من الاغتيال بهدف تفخيخها. وفي ذلك اتهام صريح لكل المسؤولين.
4. إعلان السيدة بهية الحريري تكراراً عن ملكيتها لمعلومات تؤكد تورط السلطتين اللبنانية والسورية. في حين لم تقدم مثل هذه المعلومات للجنة التحقيق الدولية.
5. تجاهل الإعلام والمحللين السياسيين والعسكريين لاحتمال الاغتيال الاقتصادي. علماً بأن الحريري كان رجل أعمال عالمي يخوض مواجهات كبرى. ولا يخفى أن التركيز على الاغتيال السياسي، دون الاقتصادي، مرتبط بالنتائج التي تمخضت عنها حرب اغتيال الحريري.
6. تركيز الإعلام على الشخصيات المعارضة لسوريا وللسلطة اللبنانية وفتح المنابر الإعلامية أمام هذه الشخصيات.
7. تحويل كل العبارات الصادرة خلال السجالات الإعلامية المعارضة للحريري قبل الاغتيال الى أدلة إدانة وتحريض لقتل الحريري. حتى تحول الأمر الى كاريكاتير الدعوة لمحاكمة دولية لكل من تلفظ بعبارة معارضة للحريري.
8. التسويق الإعلامي للشعارات وفي طليعتها شعار الحقيقة . في حين كانت تصريحات عائلة الحريري والمقربين منها تبعد هذه الحقيقة وتضللها. فلو راجعنا الفرضيات المطروحة حول هذه الحقيقة لوجدنا أن شريط أبو عدس الذي بثته الجزيرة هو أقرب الروايات المطروحة الى المنطق.
9. التغطية الإعلامية الكثيفة للتظاهرات المعادية للسلطة القائمة. مع تركيز خاص على أقسام المظاهرات الخاصة بمطالب لبنانية مدعومة من السفارتين الأميركية والفرنسية. كمثل إطلاق جعجع وعودة عون.. والأهم التركيز على الشعارات العنصرية ضد الشعب السوري.
10. إستغلال مناسبة الوفاة غيلة لكتم أي صوت يحاول توضيح الحقائق.
11. استعمال مهارات التصوير وخدعه لتضخيم أعداد المتظاهرين.
12. تحويل المناسبة الى هايد بارك شبابي والى مناسبة للتعارف بين الشباب.
13. توظيف المناسبة لاستعجال تنفيذ قوانين العقوبات الأميركية ضد لبنان وسوريا. ولتعجيل طرح لبنان نموذجاً بديلاً للعراق كعينة للدمقرطة الأميركية. وذلك بتشجيع من دول الجوار العراقي. التي لا تريد تحمل آثار نجاح دمقرطة العراق.
14. إطلاق هيستيريا الفولارات لتلوين حركة المعارضة اللبنانية على غرار الثورة البرتقالية اللون.
15. التمهيد لخنق الزعامات السنية لعلاقاتها الاستراتيجية مع سوريا التي تشكل عمقاً سنياً لا يمكن لزعيم سني واقعي تجاوزه بغض النظر عن النظام القائم في سوريا. وبغض النظر عن الدعم الذي يلقاه هذا الزعيم حتى لو كان أميركياً – سعودياً مشتركاً. ولقد نجحت عملية الخنق هذه بحيث تم إبعاد هذه الزعامات السنية عبر الانتخابات المتممة للحرب الافتراضية.
بعد هذه النماذج عن الحرب الإعلامية تقودنا المراجعة الى خطوات الإعداد المتأنية لهذه الحرب. حيث تضمن الولايات المتحدة السيطرة على الإعلام الأجنبي. أما الإعلام اللبناني والعربي فهو تحت السيطرة السعودية الكاملة. مع تولي الحريري مهمة السيطرة على الإعلام اللبناني بعد اغتيال تلفزيون لبنان الرسمي ( يطرح اليوم للخصخصة). ومن مظاهر هذه السيطرة الإعلامية المطلقة نذكر الوقائع التالية:
- لدى مراجعة المقابلات القليلة التي أجرتها قناة الجزيرة مع مسؤولين لبنانيين نجدهم جميعاً يشكرون القناة على الفرصة الإعلامية التي لم تعد متاحة لهم!.
- في إحدى هذه المقابلة يشكو الوزير منقارة من عجزه عن إيجاد جريدة لبنانية تقبل بنشر مقالة له!.
- بدأ التحرك الإعلامي مبكراً فبعد أقل من ساعة على عملية الاغتيال تلقيت عدة اتصالات صحفية تريد تصريحات عاطفية لتأجيج المشاعر وإطلاق الحرب الإعلامية.
- إن مراجعة الحقن العاطفي الذي مارسه تلفزيون المستقبل تبين أنه كان يعد لحرب حقيقية لم يلبث وأن دعمها بأغاني حماسية. حتى أنك تفاجأ بوجود أشرطة مسجلة عديدة تجمع أغاني المناسبة الحماسية!؟.
- حاولت النائبة بهية الحريري اختبار دلال انسحاب آل الحريري من السياسة فأعلنت هذا الانسحاب. ولما لم يلق الممانعة الشعبية المرجوة للمطالبة بعودة الحريريين عادت العائلة الى السياسة دون حاجة لدعوتها!.
- تبين أن المشرفين على تظاهرات الجنازة تلقوا تدريباً على تنظيم المظاهرات قبل عامين من الاغتيال!.
- إن ما تكشف عن حجم السرقات من أموال الجنازة وتوابعها يبين أن الإنفاق عليها يتخطى الحدود المتخيلة!.
- تلقت الفضائيات المحرضة على السلطة وعلى سوريا مبالغ كبيرة وصلت الى حدود المليون دولار يومياً لإحداها!.
- من الصعوبة بمكان حصر نفقات المرحلة من الوفاة الى الانتخابات. لكنها كبيرة بحيث تقتح أبواب الخيال لدى البعض.
- بينت هذه الفترة وقوع الصحف اليومية اللبنانية تحت السيطرة الحريرية المطلقة. في حين تسيطر السعودية على الصحف العربية الكبرى وتؤثر بقية الصحف العربية الحياد.
ولكن ما هي الرواية التي روجتها هذه الحرب الإعلامية الشرسة؟. إنها رواية العدو السوري . وهي رواية معتمدة لدى فئة العنصريين اللبنانيين الرافضين لعروبة لبنان. وأيضاً لدى معارضي اتفاق الطائف وكذلك لدى المتضررين شخصياً من الوجود السوري. وللأسف فإن الفئة الأخيرة واسعة ممتدة بسبب تراكم الأخطاء السورية وأهمها:
- تجاهل واقعة حساسية المدنيين في التعامل مع العسكر حتى لو كان العسكر الوطني. من هنا كان من واجب السوريين إبدال التعامل العسكري بتعامل سياسي خارج الإطار الأمني. بحيث كان من الواجب منع العسكريين السوريين عن التعاطي في الشأن السياسي اللبناني. وهذا ما حاولته سوريا بعد فوات الأوان بإيفادها السفير المعلم.
- إهمال المصالحات التي كانت واجبة عقب اللجوء الى العنف بضغط الظروف والمتغيرات. وبذلك تركت المشاعر السلبية تجاه السوريين للأزمان.
- قصور الإعلام والدعاية السوريين. أقله لجهة عرض الخسائر البشرية السورية في لبنان التي بلغت ثلاثين ألف قتيل. عداك عن التسهيلات الاقتصادية وفتح الأسواق السورية أمام المستهلك اللبناني وغيرها من التضحيات السورية التي لم نعد نجرؤ على تعدادها فنتركها للوقت.
- الدخول السوري الى سوق التجزئة اللبناني ( المفرق). وهو دخول يثير عامة الشعب لأنه يشعرها بالمنافسة على قوتها اليومي. في حين تحقق دول أخرى أضعاف المكاسب السورية من السوق اللبنانية ولكن دون أن تدخل سوق التجزئة. مثال ذلك أن المنافسة السورية كانت على صعيد العمال اليوميين غير المؤهلين. والواحد منهم لا يكسب أكثر من عشرة دولارات يومياً لكنه يكسب في المقابل عداوة المئات من العمال اللبنانيين. وكان على السوريين أن يتنبهوا للحملات الإعلامية التي قامت ضد هؤلاء العمال.
- اعتماد السوريين لمبدأ القمع العنفي في الأزمات وهو غير مألوف لدى اللبنانيين. وهو قد خلف مشاعر بالغة السلبية كما رأينا.
- التورط السوري في تبني شخصيات سياسية ضعيفة لأسباب تكتيكية ومعه محاولات تخطي بعض الشخصيات المؤثرة. مما جعل هؤلاء يلجئون الى دمشق لحل إشكالات بسيطة لم تكن تستأهل هذا التدخل. وهذا ما أوحى بتدخل سوري أكبر كثيراً من حجم التدخل الفعلي.
ولكن ماذا عن الإستراتيجية المعتمدة في الحرب الافتراضية اللبنانية؟. لقد اعتمدت هذه الحرب على التعامل مع الفئات اللبنانية وفق المنطلقات التالية:
- التجميع المبكر للفئات المعادية لسوريا وتقديم التدريب والدعم لها مع وعود بتحقيق أهدافها الأساسية.
- تشجيع الفئات المتضررة من التمديد من أجل التمرد على السلطة وسوريا معاً. مع التأكيد على ممارسة الضغوط على سوريا الى ما بعد من انسحابها من لبنان. وليس سراً أن أوساط هذه الفئات كان يوزع معلومات عن قرب سقوط النظام السوري. أقله لتشجيع المترددين.
- إثارة المسائل العالقة مثل مسألة المفقودين والمخطوفين والمشاكل الحدودية والعلاقات الاقتصادية وغيرها.
- التركيز على فضيحة بنك المدينة وفضائح أخرى والتركيز على علاقات المتورطين ببعض المراجع السورية واللبنانية.
- إغراق مؤسسات المجتمع المدني بالتمويل الخارجي (مخابراتي) تمهيداً لتهيئتها للعب أدوارها في أية أزمة محتملة.
- إستغلال إغتيال الحريري كشرارة لإشعال الحرب الإعلامية في وجه المسؤولين (لبنانيين وسوريين). إنطلاقاً من كونهم في موقع السلطة لحظة وقوع الإغتيال. وإعتبارهم مشاركين في الإغتيال ( قتلة الحريري بحسب تعابير النائب سعد الحريري المهذبة) وهذا ما لم يحدث لا في حوادث أيلول ولا مدريد ولا في تفجيرات لندن الأخيرة.
- الإثارة المتزامنة لمواضيع في غاية الحساسية كمثل عودة عون وإطلاق جعجع وعودة أفراد جيش لبنان الجنوبي المستوطنين في إسرائيل.
- العرض التلفزيوني المسرحي للممارسات السورية العنفية يرويها ممثلون لا يتقنون حتى ذاكرة الكذب لترداد ما لقنوه. وبلغ التطرف عرض مقارنة بين أسرى في السجون السورية وآخرين في السجون الإسرائيلية. وكان علينا كمشاهدين أن نقر بتفضيل إسرائيل على سوريا. ولا تهم هنا مشاعر اللبنانيين ممن لا يزالون في حالة عداء مع إسرائيل.
- إلغاء وإستبعاد كل يمكن إبعاده من الأحزاب والجهات والشخصيات العقائدية عن المسرح السياسي. وعن الإنتخابات بصورة خاصة. مما أنتج المجلس الحالي وأكثر من نصفه يؤمن بعقيدة الإنتفاع كعقيدة موحدة بين منوبين ممن ليسوا بنواب ممثلين ولا بمندوبين معينين.
- توظيف إمكانيات مؤسسة الحريري بفروعها ( تيار وجريدة و تلفزيون المستقبل وجمعية الخريجين والجمعيات المتفرعة ومتلقية المعونات.. الخ) ودعمها السعودي للإنقلاب على الوضع القائم قبل الإغتيال. مع إستثمار العلاقات السعودية للتجييش السني المتسعود.
وكما هو ملاحظ فإن محور تفجير الكراهية في وجه سوريا ،مع كبت أية إشارات إيجابية نحو سوريا، هو المحور الرئيسي في هذه الإستراتيجية. وبالنظر الى تطرف هذه الكراهية لدى بعض الفئات اللبنانية كان على آل الحريري وتيارهم أن يتبنى هذه الفئات وأن يتحالف معها ليؤمن لها التغطية. ولمساعدتها للوصول الى المجلس عبر إنتخابات إفتراضية شديدة الوقاحة المخابراتية.
إن ما يجري في لبنان هو النموذج لطموحات التدخل الأميركي. حيث يتم تفجير التناقضات الداخلية. الذي يدخل البلد في حرب إفتراضية تستخدم فيها القوة الأميركية اللينة ( إعلام ومعلومات). ثم يجري إنقلاب مخملي عبر إنتخابات مبرمجة مخابراتياً. وبذلك تتم الإطاحة بنظام الحكم في البلد. فإذا ما نجحت الحرب الإفتراضية في لبنان فإن تتمة البركان اللبناني ستكون في دول المنطقة الداعمة لتفجير البركان اللبناني.

Copyright © IpPress.Net 2005

Designed By M_Mousleh@Yahoo.com